المعلمون المفصولون في سورية... عودة للعمل رغم ضعف الأجور

 بواسطة: فائق العلي | زميل برنامج زمالة سياسات سوريا


بعد أكثر من عقد على فصلهم من العمل، يعود آلاف المعلمين إلى مدارسهم، لكن الأجور المتدنية وصعوبات المعيشة يدفعان المعلمين للتردد
.

 

يشعر عبد الباقي بحيرة تجاه قرار العودة إلى العمل في قطاع التعليم الحكومي بعد انقطاع دام أكثر من 12 عامًا، وذلك عقب إعلان الحكومة السورية الجديدة إعادة المعلمين المفصولين من العمل بسبب ارتباطهم بالثورة السورية.

 

يعمل عبد الباقي، وهو نازح من الجزيرة السورية، حاليًا في قطاع المنظمات غير الربحية في شمال سوريا، في مجال يبتعد عن اختصاصه الأساسي كمعلم. وتفرض عليه العودة إلى التعليم قرارات مصيرية: ترك وظيفته الحالية التي توفّر له دخلاً أعلى، والانتقال إلى مدينته الأصلية التي تسيطر عليها قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، والتي تعاني من تدهور في مستوى الخدمات وبنية تحتية هشة وأوضاع اقتصادية متردية.

 

يقول عبد الباقي:

"الراتب الحكومي قليل جدًا، ولا يكفي للمعيشة بحال، ولا يمكن مقارنته برواتب المنظمات الإنسانية التي اعتدت على العمل معها".

ويعبّر بذلك عن أحد أبرز الأسباب التي تدفع الموظفين إلى التردد في العودة إلى وظائفهم الحكومية، حيث تتسم الأجور بانخفاض شديد، إذ لا تتجاوز في أفضل الحالات 400 ألف ليرة سورية، أي ما يعادل نحو 35 دولارًا أمريكيًا، في حين يتقاضى عبد الباقي حالياً أكثر من 300 دولار شهريًا من المنظمة التي يعمل معها، أي ما يعادل عشرة أضعاف راتب الوظيفة الحكومية المحتملة.

 

تعكس حالة عبد الباقي التحديات الهيكلية التي تواجه الحكومة السورية الجديدة في جهودها لإعادة تأهيل القطاع العام، خصوصًا في ظل فجوة الأجور، والتفاوت الكبير في ظروف العمل، وعدم توفر بيئة آمنة أو خدمات ملائمة في كثير من المناطق التي يُطلب من الموظفين العودة إليها.

 

وأعلنت وزرارة التربية السورية مؤخرا إعادة آلاف المعلمين إلى العمل (11)، بعد فصل النظام السابق لهم خلال سنوات الثورة، إما لمشاركتهم في الثورة، أو لانقطاعهم عن عملهم خوفا من الملاحقة الأمنية أو تجنبا لإلحاقهم بصفوف جيش النظام كمجندين إجباريين أو قوات احتياط، الأمر الذي فتح نافذة أمل لدى قطاع كبير من العاملين بالعودة إلى حياتهم الطبيعية بعد سنوات من النزوح دفعوا خلالها إلى العمل في مجالات بعيدة عن تخصصاتهم ولا تتناسب أحيانا مع مؤهلاتهم، أو أوضاعهم الصحية والاجتماعية.

 

"عندما نزحت من بلدي إلى الشمال، كنت أحمل القليل من المدخرات معي، إذ فقدت الكثير في رحلة النزوح على حواجز (قسد) حيث تعرضنا مرات عديدة لدفع رشاوى تجنبا لإرسالنا إلى المخيمات، كما دفعنا الكثير للمهربين لإبعادنا عن حواجز أخرى، وفي النهاية وصلت إلى الشمال حيث تبخر ما بقي معي من مال بسبب الأجور المرتفعة للمنازل ولتأمين الاحتياجات الأساسية لأسرتي، ولذلك كنت مستعدا لأعمل في أي مجال لأعيل أسرتي، مع صعوبة في الحصول على وظيفة في قطاع التعليم الذي أشعر بالانتماء إليه"، قال عبد الباقي واصفا رحلة نزوحه وصولا إلى الشمال السوري.

 

المعلم في شمال سورية... متطوّع تحت التهديد بالفصل!

وفتحت الحكومة التركية مدعومة ببعض منظمات العمل الإنساني المدارس في مناطق سيطرتها في الشمال السوري (12)، واستدعت المعلمين للعمل فيها، وهو ما ساعد إلى إعادة تشغيل قطاع التعليم، وفتح فرص توظيف للمعلمين العاطلين عن العمل، ولكن صيغة عقود التوظيف التي أبرمتها الحكومة التركية مع المعلمين قامت على أساس التطوع، وبالتالي اعتبار ما يتلقاه المعلم لقاء عمله (منحة) لا (راتبا)، وطبيعة عمله مؤقتة لا دائمة، أسوة بما كان عليه الوضع في الوظائف الحكومية سابقا، وهذا كان حال عبد الباقي وجميع زملاءه المعلمين بعد حصوله على وظيفة معلم في مدرسة ابتدائية.

 

وشهد قطاع التعليم في الشمال السوري عدة حالات إضراب نفّذها المعلمون طلبا لزيادة أجورهم لتتوافق مع غلاء المعيشة والتضخم المدفوع بتراجع قيمة العملة التركية (13)، دون استجابة لمطالبهم من قبل مديريات التربية التابعة للمجالس المحلية والمرتبطة إداريا بمؤسسات الحكومة التركية، وبقيت (المنح) التي يتلقونها بحدود 100 دولار تزيد أو تنقص قليلا بحسب قيمة العملة التركية والزيادة المطبقة كل عامين تقريبا (14)، وأثرت حالات الإضراب على سير التعليم، كما تعرض عديد المعلمين للفصل بسبب انقطاعهم عن الدوام لمشاركتهم في الإضراب بعد التهديد بذلك عدة مرات(15)
آلاف المعلمين يضربون احتجاجا على انقطاع رواتبهم وتدني الأجور

آلاف المعلمين يضربون احتجاجا على انقطاع رواتبهم وتدني الأجور

وقفة احتجاجية سابقة للمعلمين في الشمال السوري للمطالبة بتحسين الأجور.

مصدر الصورة: الجزيرة نت، 12/11/2019.     
 

قطاع العمل الإنساني أكثر جاذبية من التعليم.. رغم سلبياته!

وعند سؤاله عن أسباب تحوّله من قطاع التعليم إلى القطاع غير الربحي، أوضح عبد الباقي:

"بالرغم من رغبتي في العمل في التعليم، كونه مهنتي الأولى، ولدي خبرة كبيرة فيه، وأجد سعادة في تعليم الأطفال، إلا أن الأجور لم تكن كافية. ونظرًا لأن حال القطاع الخاص لم يكن أفضل، فقد كان الحصول على وظيفة في المنظمات الإنسانية، ولا يزال، حلمًا لمعظم الشباب في الشمال السوري".

 

يصف عبد الباقي العمل في القطاع غير الربحي بأنه مصدر دخل غير مستقر، نظرًا لاعتماده على طبيعة المشاريع والممولين، ما يجعل عقود الموظفين قصيرة الأمد ومرتبطة بمدة المشروع نفسه. فإذا انتهى المشروع ولم يُجدَّد أو لم تبدأ المنظمة مشروعًا جديدًا، ينقطع الدخل تلقائيًا.

"جلستُ شهورًا بدون عمل، بين انتهاء مشروع وبدء آخر. أنفقت خلالها ما ادخرته خلال فترة عملي، واضطررت إلى الاستدانة لإعالة أسرتي. ومع عودتي إلى العمل، كان عليّ أن أسدد ديوني وأبدأ من جديد. ومع ذلك، يبقى هذا القطاع الخيار الأفضل مقارنةً بوظيفة التعليم. إنه كما يقول الناس: أفضل السيئين".

 

تعكس تجربة عبد الباقي واقعًا يواجهه كثير من الكفاءات في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، ممن يجدون أنفسهم بين خيارين أحلاهما مرّ: وظيفة حكومية ضعيفة الدخل في بيئة محفوفة بالتحديات، أو عمل غير ربحي يوفر دخلاً أعلى لكنه يفتقر إلى الاستقرار والأمان الوظيفي. وفي هذا السياق، تبدو الحاجة ملحّة إلى تصميم سياسات انتقالية تعالج فجوة الأجور والاستقرار المهني وتعيد الاعتبار إلى التعليم كقطاع حيوي في عملية إعادة بناء الدولة والمجتمع.

 

وأضاف: "العمل الحكومي يتفوق على عمل المنظمات الإنسانية من ناحية الاستقرار، فأنت تعرف أنك ستبقى موظفا في هذا المكان حتى تتقاعد، بعد 25 أو 30 سنة، وعندها سيصرف لك راتب تقاعدي في سنوات شيخوختك حين تضعف قواك عن القيام بالمهام الشاقة، أما المنظمات فليس لك فيها سوى راتبك الشهري، لا تأمين صحي ولا تقاعد ولا أي تعويض، هذا هو حال المنظمات المحلية على الأقل، أما المنظمات الدولية فحالها أفضل من ناحية الرواتب والتعويضات وإن كانت أيضا لا تعطيك أمانا وظيفيا ولا راتبا تقاعديا مهما طالت سنوات خدمتك".

 

ووعدت الحكومة السورية الجديدة برفع رواتب العاملين بنسبة تصل إلى 400% (16 وهو ما لم يتحقق حتى الآن، بسبب ضعف إمكانات الحكومة والخطورة المتعلقة بضخ كميات كبيرة من الأموال في الاقتصاد الهش الذي يعاني من نسب تضخم كبيرة، وتنفيذ هذه الوعود ينتظره كثير من الموظفين المترددين في العودة إلى أعمالهم، لما فيه من أمكانية تغطية رواتبهم جزءا أكبر من متطلبات المعيشة.

العودة.. خيار إلزامي!

وعند سؤاله عن موقف زملائه في قطاع التعليم تجاه قرار العودة إلى وظائفهم السابقة، أشار عبد الباقي إلى أن معظمهم سيعود في نهاية المطاف، رغم تدني الرواتب. وعلل ذلك بالقول:

"أغلبنا تجاوز سن الأربعين، ولديه سنوات خدمة سابقة نأمل أن تُحتسب فيها فترة انقطاعنا عن العمل بسبب مشاركتنا في الثورة. نحتاج إلى عشر سنوات إضافية أو أكثر بقليل ليصبح لنا حق في التقاعد، ولو بجزء يسير من الراتب. تعبنا من حياة النزوح، وفي النهاية سنعود إلى مناطق سكننا، ولن نجد إلا وظائفنا القديمة في ظل الدمار وانهيار الاقتصاد".

 

وأضاف بنبرة واقعية:

"سنعود جميعًا إلى الوظيفة، ليس لدينا خيار آخر. حتى لو اضطررنا للعمل دون رواتب مؤقتًا، نأمل أن تتحسن الظروف في السنوات القادمة".

ومع اقتراب العام الدراسي من نهايته، يُرجّح تأجيل إعادة تعيين المعلمين العائدين إلى العام الدراسي المقبل، نتيجة توقف عدد كبير من المدارس عن العمل بسبب الدمار الواسع، أو لنزوح السكان من كثير من المناطق. وتُخطط الحكومة لاستثمار فترة العطلة الصيفية في ترميم المدارس، وإعادة تنظيم قطاع التعليم إداريًا ووظيفيًا بما يتوافق مع الاحتياجات الجديدة في كل منطقة.

ومع ذلك، يبقى هذا المسار مشروطًا بمدى توفر الموارد المالية والمادية اللازمة لإصلاح البنية التحتية، ودفع رواتب عشرات الآلاف من المعلمين والإداريين، الذين يشكّلون العمود الفقري لتشغيل المنظومة التعليمية في سوريا الجديدة.

 

11  -العربي الجديد. (2025، 15 أبريل). قرار عودة المفصولين ينصف آلاف المعلمين السوريين استعرض بتاريخ 6/5/2025، الرابط.

 12 -ترك برس. (2017، 30 أكتوبر). تطورات الواقع التعليمي في مدن "درع الفرات" ومساهمة التربية التركية، استعرض بتاريخ 6/5/2025، الرابط.

 13 -باريش، م. (2022، 24 سبتمبر). إضراب المعلمين في شمال سوريا يتواصل. القدس العربي، استعرض بتاريخ 6/5/2025، الرابط.

14  -المصطفى، عامر. "المعلمون في الشمال السوري.. شموع تنطفئ بصمت." تلفزيون سوريا, 3 تشرين الأول 2024، استعرض بتاريخ 6/5/2025، الرابط.

 15 -تلفزيون سوريا. (2024, فبراير 25). "محلي الباب" شرقي حلب يهدّد المعلمين المُضربين بقطع الراتب والفصل، استعرض بتاريخ 6/5/2025، الرابط.

 16 - الجزيرة نت.** (2025، 5 يناير). عاجل - رويترز عن وزير المالية السوري: سوريا تقرر رفع رواتب القطاع العام 400% ، استعرض بتاريخ 6/5/2025، الرابط.





الآراء الواردة في المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة أراء وتوجهات معهد سياسات

0 تعليقات