مصر.. قانــــون المسؤوليـــــة الطبيــــــة

بواسطة: محمد الطمني

أولت الحكومة المصرية في السنوات الأخيرة اهتمامًا ملحوظًا بملف الرعاية الصحية، في محاولة لتحسين جودة الخدمات الطبية وضمان قدر أكبر من العدالة لكافة أطراف المنظومة، سواء المرضى أو مقدمي الخدمة. ومن بين القضايا التي أثارت جدلًا واسعًا وفرضت نفسها على أجندة صانع القرار، جاءت مسألة المسؤولية الطبية، المعروفة إعلاميًا بـ"قانون المسؤولية الطبية".

 

وتبرز أهمية هذا الملف من عدة زوايا متداخلة: اجتماعية، وقانونية، وإنسانية، ما دفع الحكومة إلى صياغة مشروع قانون ينظّم العلاقة بين الطبيب والمريض من جهة، ويحدّد ضوابط المساءلة في حالات الخطأ الطبي من جهة أخرى. ويهدف هذا التوجه إلى تحقيق توازن دقيق بين حماية حقوق المرضى وضمان عدم تعرّض الأطباء للظلم في حال وقوع أخطاء غير متعمّدة.

 

أحد أبرز الدوافع وراء هذا التحرك كان تصاعد شكاوى المواطنين من الإهمال أو الأخطاء الطبية، وتكرار حوادث أثارت الرأي العام، ودعت البعض إلى المطالبة بتشديد العقوبات على الأطباء، في ظل غياب قانون موحد وواضح يُنظّم هذا المجال. في المقابل، ترى الحكومة أن الاعتماد على مواد قانون العقوبات التقليدي في التعامل مع الأخطاء الطبية لا يراعي خصوصية المهنة، مما يستوجب وضع إطار قانوني خاص بها.

 

كذلك، لعبت الضغوط الإعلامية والسياسية دورًا في تسليط الضوء على هذه القضية، خاصة مع تزايد التغطية لحالات وفاة أو مضاعفات ناتجة عن إجراءات طبية أو وصفات علاجية خاطئة. ومع تضخم هذه الحالات في الرأي العام، برزت الحاجة إلى آلية واضحة تضمن المحاسبة من دون المساس بكرامة الأطباء أو بث القلق في نفوسهم أثناء أداء واجبهم المهني.

 

من جانب آخر، يُنظر إلى القانون باعتباره جزءًا من عملية تطوير البنية القانونية للقطاع الصحي، لا سيما بعد إطلاق مبادرات مثل "100 مليون صحة" والتوسع في نظام التأمين الصحي الشامل. ومن شأن تطوير الإطار التشريعي أن يُعزز بيئة العمل في القطاع، ويُعيد بناء الثقة بين الطبيب والمريض، كما قد يسهم في تشجيع الاستثمار في الرعاية الصحية.

 

كما تسعى الحكومة من خلال هذا القانون إلى تقليل عدد القضايا المتداولة أمام المحاكم، خاصة تلك المرفوعة ضد أطباء وتستغرق سنوات للحسم، بما يستهلك موارد قضائية ويخلق مناخًا من التوتر داخل القطاع. ولهذا، يتضمن مشروع القانون إنشاء "اللجنة العليا للمسؤولية الطبية"، وهي لجنة فنية مختصة تُصدر رأيًا استشاريًا حول وجود الخطأ الطبي من عدمه، قبل اتخاذ أي إجراء قانوني، ما من شأنه الحد من الدعاوى الكيدية وحماية الطرفين.

 

في المجمل، يعكس اهتمام الحكومة بقانون المسؤولية الطبية مسعى لإيجاد صيغة متوازنة تنظم واحدة من أكثر القضايا حساسية في المجتمع، بما يضمن إنصاف المريض دون إرهاب الطبيب، ويسهم في تحسين جودة الخدمة الطبية دون أن يؤدي إلى خلق بيئة طاردة للكفاءات.

 

تهدف أجندة الحكومة في هذا السياق إلى تحقيق توازن بين محاسبة الأطباء وضمان حقوق المرضى، مع الحفاظ على استقرار المنظومة الصحية ومنع هجرة الكفاءات. وتتضمن الأجندة عدة أهداف ومحاور رئيسية وهي إصدار تشريع موحد للمساءلة الطبية وحماية حقوق المرضى وتوفير الحماية القانونية للأطباء وإنشاء لجنة فنية متخصصة ودعم جودة الخدمات الصحية.

 

الجهات المشاركة في وضع الأجندة وصياغة القانون هي وزارة الصحة والسكان ووزارة العدل ومجلس النواب ونقابة الأطباء والمجلس القومي لحقوق الإنسان وهيئات المجتمع المدني والمراكز الطبية والجهات القضائية.

 

مشاركة الجهات المختلفة في مناقشة قانون المسؤولية الطبية

 

خلال مراحل إعداد وصياغة قانون المسؤولية الطبية و قبل التصديق عليه رسميا في إبريل 2025، لعبت الجهات المعنية دورًا أساسيًا في تقديم بدائل تشريعية وتنظيمية تهدف إلى تحقيق توازن بين مساءلة الأطباء وضمان حقوق المرضى. وكانت وزارة الصحة والسكان من أبرز المشاركين في هذا الصدد، حيث اقترحت تصنيفًا لأنواع الأخطاء الطبية، يتضمن تفريقًا بين "الخطأ المهني البسيط" و"الخطأ الجسيم" و"الإهمال المتعمد"، مما يسهم في تحديد العقوبة المناسبة. كما طرحت الوزارة بديلًا يتمثل في تفعيل التأمين الإجباري ضد الأخطاء الطبية، بما يتيح تعويض المريض دون الحاجة للدخول في مسارات جنائية.

 

من جانبها، اقترحت وزارة العدل ضرورة إنشاء لجنة فنية مختصة تحت مسمى "اللجنة العليا للمسؤولية الطبية"، التي يكون دورها تقييم ما إذا كان هناك خطأ طبي قبل السماح بتحريك الدعوى الجنائية، لتجنب التوتر بين الأطراف وإعطاء فرصة للطبيب لإثبات براءته. كما قدمت بديلًا آخر من خلال تعديل مواد قانون العقوبات، بحيث يتم تحديد الحالات التي لا تُعد جرائم جنائية، بل مخالفة مهنية، وبالتالي يتم التعامل معها في إطار محاكم متخصصة.

 

أما نقابة الأطباء، فقد كانت إحدى الجهات التي قدمت بدائل قوية تهدف إلى حماية الأطباء في إطار مهنة طبية معقدة. رفضت النقابة أي عقوبات سالبة للحرية واقترحت بديلًا يعتمد على المساءلة التأديبية من خلال المجالس المهنية بدلاً من المحاكمات الجنائية. كما طرحت النقابة مفهومًا جديدًا للخطأ الطبي، يعتمد على الخطأ المتوقع في المهنة، حيث لا يُحاسب الطبيب إذا كان تصرفه ضمن النطاق المهني المعقول.

 

على مستوى مجلس النواب، فقد قدم أعضاء لجنة الصحة مقترحات لطرح البدائل التشريعية التي تراعي المصلحة العامة للطرفين، الطبيب والمريض. اقترح بعض النواب أن يكون اللجوء للقضاء هو آخر خطوة بعد استنفاد الحلول الفنية والتفاوضية، مع ربط العقوبات بوجود نية الإضرار أو إهمال جسيم واضح من الطبيب، مما يُقلل من تطبيق العقوبات القاسية على الحالات غير الجسيمة.

 

المجلس القومي لحقوق الإنسان، من جهته، أضاف بديلًا يعتمد على مبادئ العدالة التصالحية، مثل التسوية الودية والتعويض المباشر دون الحاجة للمسار القضائي، مما يعزز الحلول السريعة ويجنب الأطراف اللجوء إلى المحاكم. كما اقترح المجلس إدراج مادة في القانون تلزم الحكومة بنشر الوعي لدى المواطنين بحقوقهم الطبية، مما قد يساعد في تقليل حالات سوء الفهم والاتهام الخاطئ.

منظمات المجتمع المدني والمؤسسات الطبية الخاصة دعمت فكرة استنساخ نماذج دولية من أجل تطوير المنظومة الطبية، مثل نماذج الدول الأوروبية التي تتمتع بهيئات متخصصة لفحص شكاوى المرضى قبل أن تصل إلى القضاء. كما طرحت هذه الجهات ضرورة وضع معايير وطنية موحدة للبروتوكولات الطبية التي يلتزم بها الأطباء، بحيث يُحاسب الطبيب على أساس تلك المعايير، وليس بناءً على آراء شخصية.

 

يمكن ملاحظة أن كل جهة قد قدمت حلولًا تناسب احتياجاتها واهتماماتها الخاصة، مما أسهم في تشكيل نقاش موسع حول قانون المسؤولية الطبية. تم دمج بعض هذه الحلول للوصول الى صيغة قانونية متوازنة تحمى حقوق المرضى وتضمن في الوقت ذاته العدالة والضمان القانوني للأطباء ومقدمي الخدمة الصحية.

 

تقييم فاعلية قانون المسؤولية الطبية في مصر

 

رغم أن قانون المسؤولية الطبية تم التصديق عليه في إبريل 2025 ، إلا أن تقييم فاعليته كسياسة عامة يمكن أن يتم بناءً على مؤشرات أولية تتعلق بمدى استجابته لأهدافه المعلنة، ومدى اتساقه مع احتياجات الأطراف المعنية، وقدرته على إحداث توازن عادل في المنظومة الصحية. يهدف القانون إلى حماية المريض من الإهمال الطبي وضمان تعويضه، وفي الوقت نفسه توفير بيئة قانونية عادلة تحمي الأطباء من العقوبات الجائرة أو الدعاوى الكيدية، وتمنع هروب الكفاءات إلى الخارج.

 

من حيث الاستجابة للأهداف المعلنة، يبدو أن القانون يحاول تقديم إطار تشريعي أكثر وضوحًا واحترافية من الوضع السابق، الذي كان يعتمد على مواد عامة من قانون العقوبات لا تُميز بين الخطأ المهني والإهمال الجنائي. 

 

لكن من ناحية أخرى، فإن فاعلية القانون تواجه تحديات واضحة، أبرزها الاعتراض الواسع من نقابة الأطباء، التي ترى أن القانون يُهدد بيئة العمل الطبي، ويزيد من الضغط النفسي على الأطباء. مثل هذا الرفض المؤسسي يضعف من فرص التنفيذ الفعلي للقانون بعد صدوره، ويهدد بتحويله إلى قانون "معطّل" على أرض الواقع. كما أن غياب آليات واضحة لتحديد طبيعة الخطأ الطبي، وعدم وجود بروتوكولات موحدة، يقلل من قدرة القانون على تحقيق العدالة المرجوة، ويجعله عرضة للتأويل والجدل القانوني.

 

بالإضافة إلى ذلك، فإن نجاح القانون يتوقف على عوامل تنفيذية مثل تدريب الكوادر القانونية والطبية على فهم القانون، وتفعيل التأمين المهني، وتوفير بيئة تشريعية متوازنة لا تنحاز لطرف على حساب الآخر. وفي ظل وجود تخوفات من نزوح الأطباء وهجرة الكفاءات بسبب هذه السياسة، فإن فاعليتها قد تكون محدودة ما لم تُرفق بإصلاحات أوسع تشمل تحسين ظروف العمل داخل القطاع الصحي.

بناءً على ما سبق، يمكن القول إن فاعلية قانون المسؤولية الطبية لا تزال محدودة جزئيًا، وتعتمد بشكل كبير على توفير بيئة داعمة لتطبيق القانون بشكل عادل ومتوازن.

 

عند تقييم فاعلية قانون المسؤولية الطبية في مصر من حيث النتائج والأثر، تبرز الحاجة إلى النظر في مدى تحقيق الأهداف المباشرة للقانون، إلى جانب ما يترتب عليه من آثار بعيدة المدى على النظام الصحي والمجتمع ككل.

 

فعلى مستوى النتائج المباشرة، سعى القانون إلى وضع إطار قانوني عادل ينظّم العلاقة بين الطبيب والمريض، ويحقق توازنًا بين المحاسبة وحماية المهنة. وقد ساهم طرح القانون في رفع الوعي المجتمعي بأهمية هذا الملف، كما حفّز الجهات الحكومية والتشريعية على مراجعة نظم المحاسبة الطبية التقليدية والعمل على تطويرها. وتُعد هذه التطورات خطوة إيجابية، إذ أعادت فتح نقاشات حول قضايا كانت مغيّبة لفترات طويلة.

 

في المقابل، لم تخلُ النتائج من تحديات. فقد أثار طرح القانون حالة من القلق في أوساط عدد كبير من الأطباء، وظهرت ردود فعل تتراوح بين الرفض والتلويح بالاستقالة أو التفكير في الهجرة. وقد أفضى ذلك إلى أجواء من التوتر داخل القطاع الصحي، مما يشير إلى أن تطبيق القانون، وإن كان ضروريًا، لم يكن خاليًا من تبعات أثرت على مقدمي الخدمة.

أما على صعيد الأثر بعيد المدى، فإن القانون يحمل إمكانيات واعدة لتعزيز جودة الخدمات الصحية، من خلال ترسيخ شعور الطبيب بالمسؤولية المهنية، وفي الوقت ذاته توفير آلية واضحة لحماية حقوق المرضى. وإذا طُبِّق القانون بشكل متوازن، فمن شأنه أن يعزز ثقة المواطنين بالنظام الصحي، ويشجّع الأطباء على الالتزام بالمعايير المهنية العالية.

 

ومع ذلك، تظل هناك آثار محتملة قد تنشأ نتيجة التطبيق غير المتوازن للقانون. فقد يتجنب بعض الأطباء إجراء العمليات المعقدة خشية التعرض للمساءلة، أو قد يلجأ البعض إلى اتخاذ إجراءات احترازية مفرطة تزيد من تكلفة العلاج دون مبرر طبي كافٍ. كما أن غياب الضمانات الكافية لحماية الأطباء قد يدفع بعضهم إلى التفكير في الهجرة بحثًا عن بيئات مهنية أكثر استقرارًا، ما قد يُضعف المنظومة الصحية محليًا على المدى الطويل.

 

بناءً على ذلك، يمكن القول إن فاعلية القانون لا تزال محدودة ومشروطة بآليات التطبيق. ويُعدّ التوازن بين المحاسبة العادلة والحفاظ على كرامة المهنة عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان هذا القانون سيسهم فعليًا في إصلاح النظام الصحي، أو إذا ما كان سيفتح بابًا لتحديات إضافية.

 

في الختام، يبقى نجاح قانون المسؤولية الطبية مرهونًا بتطبيق متوازن يُنصف المريض من دون أن يُجحف بحق الطبيب. فتحقيق هذا التوازن يُعد شرطًا أساسيًا لتجنب الآثار السلبية على المنظومة الصحية، وضمان استدامة تحسين الخدمات وتحقيق العدالة لجميع الأطراف المعنية.

0 تعليقات

نشر تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني