هكذا تحولت خدمة PTT في سورية إلى نموذج للحلول غير المكتملة!

بواسطة:فائق العلي 


من أمام جهاز الصرف
(ATM) يغادر عبد الرحمن مجددا دون أن يستلم شيئا من نقوده المودعة في مؤسسة البريد والبرق التركية Ptt وهو لا يخفي غضبه من تكرار محاولاته السحب دون جدوى.

"ماذا سأقول للموردين الذين وعدتهم منذ أسبوع بتسديد دفعات لهم، وأنا لا أستطيع سحب أموالي من جهاز الصرف الفارغة؟!"، قال عبد الرحمن الذي يعمل مقاولا مع المنظمات الإنسانية، التي تحول له مستحقاته من تركيا بواسطة Ptt، ليدفع ما عليه للموردين نقدا بعد أن يعيد تحويلها من الليرة التركية إلى الدولار.

كان دخول مؤسسة البريد التركية إلى مناطق الشمال السوري الخاضعة للسيطرة التركية بدءا من 2017 مصدر سعادة للسوريين، إذ أوحت لهم بانفراجة في عودة الخدمات إلى مناطق المنكوبة بالحرب منذ سنين، كما أنها فتحت لهم نافذة للتواصل مع الداخل التركي من خلال الحوالات وشحن الأمتعة والهدايا والمشتريات من السوق التركية، ثم وسيلة آمنة لتسليم رواتب الموظفين بدل نقلها يدويا والتعرض لمخاطر عديدة كانت المنطقة تشهدها آنذاك.

ولكن الضغط الكبير على المراكز القليلة الموجودة في المنطقة حول الخدمات التي تقدمها من مصدر راحة للسكان إلى مصدر تعب وإرهاق لهم، ومن حل لمشاكل تحويل الأموال إلى وسيلة لتعقيدها، كما يتحدث المتعاملون معها.

 

ازدحام وتأخير وخسائر!

تروي ساجدة، وهي معلمة تقيم في مدينة الباب، قصة استلامها بطاقة الصراف الآلي من Ptt لتتمكن من قبض راتبها من خلاله، "فتحت تركيا مراكز البريد لخدمة موظفيها العسكريين والمدنيين

 

العاملين في المنطقة التي تفتقد لأي خدمات بنكية، لكون مؤسسة البريد مرتبطة بنظامها البنكي، ثم وظفتها لتسليم رواتب الموظفين السوريين، كنت سعيدة بفكرة أن أقبض راتبي من خلال الصراف الآلي، وأن يكون لدي حساب بنكي يمكنني من إيداع الأموال وتحويلها، ولكن تبين أن الحساب مخصص لاستقبال الراتب فقط، ثم تبيّن أن عملية الاستلام مرهقة شاقة بسبب قلة أجهزة الصرف وتعطلها مرارا".

وتضيف ساجدة: "في داخل تركيا لا توجد مثل هذه المشكلات مع Ptt، فأجهزة الصرف كثيرة، وتعامل الموظفين يختلف، والخدمات أكثر تنوعا وجودة، والسوريون في تركيا يتعاملون معه بكثرة لاستلام المساعدات النقدية وإجراء تعاملاتهم المالية المختلفة".

تحت طائلة توسيع الحراك.. حملة إعلامية للمطالبة بتحسين واقع PTT شمال سوريا

مصدر الصورة: حلب اليوم، حملة إعلامية للمطالبة بتحسين واقع PTT شمال سوريا، 15/8/2023.

 

 

هبة الله بركات، ناشطة إعلامية، تحدثت في منشور لها عن مشكلة استلام الرواتب من المؤسسة: "هي مشكلة تتجدد كل شهر بالنسبة لكل شخص ليس أمامه خيار لاستلام ما يسمى راتب شهري إلا من خلال هذه المراكز، هذه المراكز تحولت إلى مراكز إذلال وكأنه متعمد، حالات ازدحام شديد في ظروف جوية ما بين شتاء وبرد قارس وصيف وحر شديد، نساء وكبار سن معلمين وموظفي منظمات وموظفين في مؤسسات حكومية، حالات الاعتداء المتكرر من قبل الشرطة على المراجعين، الحلول بسيطة و ممكنة حين تكون النية هي التخفيف عن الناس ..".

ويشرح حسن، وهو موظف في منظمة إنسانية، علاقة منظمته مع Ptt: "حلّت مراكز البريد التركية مشكلة كبيرة للمنظمات الإنسانية العاملة في سورية أمام الداعمين، حيث وفرت حسابات بنكية للموظفين والمتعاقدين والمستفيدين بأسماء حقيقية، ما يسهل تتبع الأموال المحولة من تركيا إلى سورية، وبيان سبب التحويل بطريقة واضحة، وقد أصبح فتح حساب في Ptt شرطا لأي علاقة مالية للسوريين مع المنظمات".

ولكن هذا الحل الذي سهّل علاقة المنظمات بالمانحين من جهة تسبب بصعوبات على موظفيها والمتعاقدين معها والمستفيدين من مشاريعها، يضيف حسن، وكشف أن مشكلته وزملاءه أكبر من مشاكل الموظفين الحكوميين قائلا: "المعلمون يعانون الازدحام والتأخير، ونحن نعاني خسارة أموالنا إضافة لذلك، خسرت مرة ثلث راتبي، إذ حولته لي المنظمة أول الشهر على أساس 12 ليرة تركية للدولار الواحد، ولم أتمكن لمدة أسبوع بعد أن بلغت قيمة الدولار 18 ليرة....، رواتبنا أساسا بالدولار لكنهم يلزمون المنظمات أن تحول لنا قيمتها بالليرة التركية، ولا يمكن للمنظمات الإفلات من ذلك، حيث لا طريق آخر للتحويل".

 

حل تركي لتجنب SWIFT وقبضة نظام الأسد!

كان غياب حكومة معترف فيها شمال غرب سورية خلال الأعوام الماضية مانعا من افتتاح أي مصرف في المنطقة، بحسب تصريح لوزير الاقتصاد في الحكومة المؤقتة المنحلة، فكان الخيار الوحيد هو مكاتب لتحويل الأموال تستند إلى العلاقات الشخصية بين التجار في المناطق المختلفة، دون المرور بالنظام البنكي غالبا، ونتيجة لذلك تتفاوت رسوم التحويل بحسب حجم الحوالة ومصدر إرسالها، بين 3% حتى 10% أحيانا لحوالات الدولار، في حين تكون أقل من ذلك بكثير إن كان مصدرها تركية وبالليرة التركية.

ولتجنب الموانع القانونية والتحديات السياسية، وجدت تركيا في افتتاح فروع لمؤسسة البريد Ptt خيارا جيدا، يمكن من توفير خدمات بنكية تفتح الباب أمام إيداع الأموال وسحبها وتحويلها دون المرور بنظام التحويل الدولي   SWIFTالمحظورة في سورية بتأثير العقوبات الأمريكية، ودون الاضطرار للمرور بالنظام البنكي السوري الواقع تحت سيطرة النظام، وذلك عن طريق تحريك الأموال بين سورية وتركيا ضمن النظام البنكي التركي فقط، وهذا الأمر يضمن أيضا إشراف الحكومة التركية على حركة الأموال من وإلى شمال سورية وبالتالي تغطية المخاطر المتعلقة بالتحويلات المشبوهة أو الخاضعة لعقوبات دولية.

ومع دخول الجيش التركي إلى شمال سورية في إطار عملية "درع الفرات" عام 2017 بدأت مؤسسة Ptt بافتتاح فروعها في المنطقة، لتغطي نواحي منطقتي الباب وجرابلس، ثم توسعت في فتح فروع جديدة في منطقة أعزاز، ثم منطقة عفرين بعد عمليتها العسكرية "غصن الزيتون"، وصولا إلى منطقتي رأس العين وتل أبيض بعد عملية "نبع السلام".

 

توسع مراكز خدمات Ptt شمال سورية

المصدر: معد التقرير.


هذه الفروع أمنت خدمة فتح حسابات للأفراد والمنظمات غير الحكومية والمؤسسات الحكومية (الحكومة المؤقتة والمجالس المحلية)، الأمر الذي سمح لتلك المؤسسات بتسليم رواتب موظفيها عن طريق تحويلها إلى حساباتهم الشخصية في المؤسسة نفسها، وكذلك تسليم مستحقات المتعاقدين معها بنفس الطريقة، وكذلك تلقي الأفراد حوالاتهم وإرسالها إلى تركيا، الأمر الذي سهل عملية حفظ الأموال ونقلها بشكل آمن.

 

وفرة في المراكز وندرة في الخدمات!

وتتوزع مراكز البريد التركية في 11 مدينة شمال سورية هي: جرابلس، الباب، عفرين، اعزاز، الراعي، مارع، بزاعة، قباسين، جندريس، تل أبيض، رأس العين، تقدم الخدمة لآلاف الموظفين والمزارعين والتجار

 

والمقاولين بالإضافة لمن يتلقون الحوالات من أقاربهم في تركيا، يستلمون أموالهم عبر ماكينات آلية أو بطريقة السحب المباشر، من خلال إدخال بصمة إلى أجهزة يشرف عليها موظفون أتراك، ولا يتوفر في كل مركز سوى جهازين أو ثلاثة للبصمة، إضافة لماكينة سحب أو اثنتين على الأكثر.

وتشير تقديرات محليّة إلى أن كل من فروع Ptt يقع على عاتقه تخديم 100-300 ألف نسمة، بحسب حجم المنطقة، وبالنظر إلى تقديرات أعداد سكان المنطقة، يتبين أن خدمة أجهزة الصرف في المنطقة ضعيفة في أغلب المراكز، حيث يتوفر 1.5 جهاز صرف لكل 100.000 من السكان البالغين تقريبا، وعلى مستوى المناطق الإدارية نجد أن منطقة تل أبيض شمال الرقة هي الأحسن حالا، حيث يرتفع المؤشر إلى 6.7 أجهزة لكل 100.000، في حين أن منطقة عفرين هي الأقل تخديما بمعدل 0.66 جهاز لكل 100.000، والواقع أن الأجهزة في هذه المنطقة تخدم أعدادا أكبر بكثير من عدد سكانها الفعلي، إذ يعتمد عليها سكان محافظة إدلب وريف حلب الغربي حيث لا تتوافر أي مراكز أو أجهزة لتقديم خدمات Ptt.

المصدر: معد التقرير، بالاعتماد على بيانات وحدة تنسيق الدعم، والمسح الميداني لخدمات Ptt.

 

وهذه القيم أقل من الواقع في سورية عموما، حيث يتوفر 8.22 جهازا لكل 100.000 من السكان البالغين، بحسب بيانات البنك الدولي، في حين أن المعدل العالمي هو 52  جهاز لكل 100.000 من السكان البالغين.

ومما يزيد من معاناة السكان مع هذه المراكز، أن دوامها محدود لكون موظفيها يحضرون متأخرين صباحا ثم يستريحون ساعة وقت الغداء قبل أن ينصرفوا بحدود الساعة الثالثة، ما يسمح لهم بتسليم عدد محدود من الحوالات يدويا، في حين يتصارع ألوف الناس على أجهزة الصرف القليلة خارجا، والتي تتعطل كثيرا لانقطاع الإنترنت أو الكهرباء أو لمشاكل تقنية فيها، وفي حال استمرت بالعمل سرعان ما تنفد الأموال منها نتيجة السحب الكبير دون إمكانية التعبئة مجددا حتى تعود سيارة نقل الأموال من تركيا في اليوم التالي.

ويمتنع مسؤولو  Pttعن الإجابة على أسئلة وسائل الإعلام عن المشكلات الموجودة أو تقديم توضيحات حول أسبابها أو آلية عملهم لحلها.

المصدر: مركز عمران للدراسات: حوكمة القطاع المالي في الشمال السوري.. الواقع والتحديات.

 

منافسة واتهامات

من إدلب حيث لا تتوفر مراكز Ptt يضطر السكان للسفر إلى ريف حلب الشمالي لاستلام حوالاتهم، ولذلك يتكبّد خالد السيّد عناء السفر أكثر من 100 كم كل شهر ليقبض كتلة الرواتب المحولة لموظفي المنظمة التي يعمل محاسبا فيها ليسلمها لهم يدويا بدل أن يضطروا جميعهم لتكبد هذه الرحلة الطويلة مرارا خلال الشهر الواحد لاستلام رواتبهم على دفعات بسبب محدودية السحب في اليوم الواحد.

وييبّن خالد صعوبات استلامه الأموال: "تحول المنظمة رواتب الموظفين على حسابي في Ptt أول الشهر، فأحجز دورا لدى المركز الذي سأستلم منه، والذي يؤجّل تسليمي الكتلة المالية شهرا أحيانا، وبالتالي أتأخر في تسليم الموظفين كذلك، كمية الأموال المنقولة يوميا من تركيا إلى شمال سورية قليلة، ولا تتناسب مع حجم الحوالات، ولذلك نتنافس نحن والتجار للحصول عليها".

ويؤكد ماهر وهو تاجر في مدينة اعزاز أنه مضطر للتعامل مع Ptt لكونه يدخل في تعاقدات مع المنظمات الإنسانية، وهذا الأمر يسبب له إرهاقا في مراجعة المركز وخسائر أحيانا بسبب فروق الصرف، "صرنا نضيف 10% أحيانا إلى قيمة المواد عندما نتقدم لمناقصة، لأن المنظمات تسدد قيمتها بالليرة التركية، ونحن مضطرون لإعادة تحويلها إلى الدولار كوننا نشتري من سوق الجملة بهذه العملة، وبالتالي خسارة مؤكدة نتيجة الفرق في سعر الصرف، وخاصة أننا لن نتمكن من قبض المبلغ فور تحويله بسبب الازدحام وعدم توفر السيولة".

ويضيف شقيقه الذي يعمل معه في نفس المتجر: "لتسحب الأموال من حسابك أمامك طريقان، الأول وهو الصراف الآلي، حيث مزاحمة آلاف الناس مع الأعطال ومحدودية السحب بعشرة آلاف ليرة

 

وبالتالي الاضطرار للعودة عدة مرات لسحب كامل المبلغ، أو تسجيل الدور لتتأخر في الاستلام عدة أسابيع".

تقارير عديدة تحدثت عن محسوبيات ورشاوى باتت تحكم عملية تسليم الحوالات وسحب الأموال من الحسابات، واتهامات كثيرة وجهت للمؤسسة بتعمّد إهانة المتعاملين معها في الشمال السورية وإذلالهم من خلال دفعهم للازدحام والوقوف لساعات أمام أبوابها مع معاملة سيئة من الموظفين والشرطة المكلفين بتنظيم الحشود، واحتجاجات كثيرة للموظفين شهدتها المنطقة بسبب الصعوبات التي يلاقونها في استلام رواتبهم، كان أشهرها حملة "بدها حل" التي أطلقها ناشطون قبل عامين مطالبين بزيادة عدد أجهزة الصرف وحل مشكلة أعطالها وزيادة ساعات عمل الموظفين في مراكز Ptt وتحسين تعاملهم مع المستفيدين وتعزيز الرقابة للقضاء على المحسوبيات.

 

آثار كبيرة على اقتصاد الشمال السوري

خدمات Ptt وسياساتها أثرت على الواقع المالي والاقتصادي لشمال غرب سورية بما يتجاوز كونها تقدم خدمات بنكية للمستفيدين بحسب مركز عمران للدراسات الذي تناول مؤسسة Ptt بكونها أحد الفواعل في القطاع المالي لشمال سورية، حيث كشفت دراسة نشرها المركز عام 2023 أن وجود المؤسسة ساهم في تنظيم ومراقبة الحوالات المالية الداخلة إلى المنطقة وتسليمها بشكل موثوق

 

لأصحابها، كما ساهم في توفير الكم الكافي من العملة التركية لأسواق المنطقة بعد اعتمادها بديلا عن الليرة السورية، بالتنسيق مع البنك المركز التركي، ولكن إلزام الحكومة التركية للمنظمات الإنسانية تنفيذ حوالاتها من خلال حسابات المؤسسة وبالليرة التركية أدى إلى تراجع الدعم لهذه المنظمات من الجهات المانحة الرافضة لهذا التوجه، كما ساهمت هذه السياسة بخفض كمية النقد الأجنبي المتوفر في المنطقة لصالح الليرة التركية.

وخلصت الدراسة أن توجه مؤسسة Ptt للعمل في المنطقة كان ذا طبيعة ربحية، لم يأخذ بعين الاعتبار الظروف الاجتماعية والاقتصادية للمنطقة، أو إعادة تصميم خدماتها لتلبية متطلبات السوق المحليّة، كاشفة أن لا سلطة إشرافية لأي جهة في المنطقة عليها، حيث تخضع فروعها بشكل منفصل لفروع المؤسسات في الولايات التركية التي تتولى كل منها الإشراف على منطقة إدارية في شمال سورية، وتنحصر علاقة الجهات المحلية بها بالاستفادة من خدماتها في إيداع الأموال وتحويلها، والتنسيق معها لتأمين الحماية والخدمات لها.

 

خدمات حكومة الأسد لم تكن أفضل!

الصعوبات التي كان الموظف السوري أو مستلم الحوالة يجدها لسحب أمواله من أجهزة الصرف لم تكن محصورة بعملاء Ptt فقط، فالأمر نفسه كان يعانيه الموظف والمتقاعد في مناطق سيطرة نظام الأسد سابقا، فبعد تحويل راتبه من الجهة الحكومية التي يعمل فيها إلى حسابه المصرفي في البنكين التجاري والعقاري، كان عليه أن يعاني لسحب هذا الراتب، بسبب قلة عدد أجهزة الصرف، وتوقفها عن العمل لأعطال تقنية أو لانقطاع الكهرباء أو شبكة الإنترنت، بالإضافة إلى حدود السحب

 

التي تتطلب تكرار العملية عدة مرات حتى إتمام سحب الراتب، وسرعة نفاذ الأموال منها وتأخر تزويدها مجددا بسبب الضغط الكبير عليها والنقص في كادر العاملين على خدمتها، الأمر الذي كان يسبب إرهاقا وخسائر كبيرة للموظفين وخاصة المقيمين في الأرياف، إذ قدر بعضهم أن يخسر ربع راتبه كأجور للنقل عدة مرات لسحب ذلك الراتب الضئيل.

وبحسب تصريحات رسمية فإن إجهزة الصرف التي يمكن للموظفين الحكوميين السحب منها كانت 700 صرافا فقط، ولكن التي تعمل حقيقة هي 270 جهازا فقط، تخدم أكثر من 1.250 مليون موظف، و925 ألف متقاعد، بالإضافة لموظفي القطاع الخاص والمنظمات غير الحكومية والمتعاملين مع البنوك، وعدا عن قلة أعدادها تتوزع أجهزة الصرف بشكل غير متوازن، حيث توجد 150 منها في محافظة دمشق وحدها بينما يتوزع النصف الباقي على المحافظات السورية الأخرى، وقدر مختصون الحاجة إلى 5000 صراف لتقديم الخدمة في مناطق سيطرة النظام سابقا، وبالتالي مضاعفة الرقم تقريبا لتغطية كامل البلاد، بناء على تقديرات أعداد السكان.

حاولت حكومة النظام آنذاك التقليل من المشكلة بعدة وسائل، منها الربط بين البنكين التجاري والعقاري لتمكين الموظفين من الاستفادة من أجهزة البنكين عوضا عن حصر الخيار بالبنك الذي يخدم المؤسسة التي يعملون فيها، وزيادة عدد الأجهزة داخل فروع البنوك لضمان توفير الكهرباء والإنترنت وإعادة التزويد بالمال، وإتاحة السحب المحدود من البنوك الخاصة وشركات تحويل الأموال، وكذلك إتاحة خدمة الدفع الإلكتروني، مع مشاريع لم تنفذ لزيادة أعداد أجهزة الصرف وحل مشكلاتها التقنية.

وتسعى الحكومة الحالية إلى توسيع الخيارات أمام عملاء البنوك في السحب، من خلال رفع سقف السحب من أجهزة الصرف، وفتح المجال أمام مزيد من المؤسسات والبنوك الخاصة لتسليم الرواتب

 

والحوالات، وتحويل رواتب الموظفين والمتقاعدين الحكوميين عن طريق تطبيق إلكتروني جديد يدعى (شام كاش).

 

شام كاش... منافس قوي بمخاطر عالية!

رغم وجود تطبيقات عديدة لتحويل الأموال تديرها البنوك وشركات تحويل الأموال في سورية عموما والشمال بشكل خاص، برز خلال الأشهر الماضية اسم تطبيق (شام كاش)، بعد تبنيه من الحكومة السورية الجديدة بشكل رسمي، وتوجيهها جميع وزاراتها ومؤسساتها بتحويل رواتب الموظفين والمتقاعدين الحكوميين من خلاله.

التطبيق بحسب الموقع الرسمي له يقدم خدمات إرسال واستقبال الأموال بسرعة ومن خلال واجهة سهلة وبدون رسوم تحويل، وبالإضافة لتحويل الأموال يقدم التطبيق خدمات دفع إلكتروني لجهات متعددة، حكومية وخاصة، وإمكانية الشراء من المتاجر المشتركة في التطبيق، بناء على أرقام حسابات فريدة لكل عميل، مع خيارات متعددة لأنواع الحسابات، كالحساب الشخصي وحسابات المنظمات غير الحكومية والحسابات التجارية.

 وهو متوفر بصيغتي أندرويد وIOS رغم عدم وجوده على منصات التطبيقات الشهيرة كمتجري غوغل وآبل، حيث يقوم العملاء بتحميله من الموقع مباشرة إلى هواتفهم، أو من خلال روابط يتبادلونها على مجموعات التواصل، الأمر الذي أثار شكوكا حول موثوقيته، لكونه غير قادر على اجتياز فحوص المنصتين قبل رفع التطبيقات عليهما، بالإضافة لشكوك أخرى تتعلق بأهلية شركة البرمجة التركية التي تشرف على تطويره، وقدرات الفريق التقني الذي يديره.

خبراء منظمة Smex للأمن الرقمي أبدوا مخاوف تتعلق بالغموض تجاه الجهة التي تدير التطبيق وآلية تعاملها مع البيانات، خاصة لطلبه بعض الأذونات من هاتف المستخدم قد تمكن من يديره أو يخترقه من تتبع الهاتف والتجسس عليه، وكذلك عدم وجود سياسة خصوصية واضحة أو تحمل مسؤولية عن أي ضرر يحصل للمستخدم من جهة التطبيق، الأمر الذي منح التطبيق درجات خطورة عالية في تقييم المخاطر، في حين حذر فريق تقني سوري من استمرار تشغيل التطبيق بوضعه الحالي لكونه يعرّض المستخدمين لخطر مباشر، ويهدد بانتهاكات واسعة للخصوصية المالية والشخصية.

الجهة الضامنة للتطبيق هي مؤسسة مالية أنشئتها هيئة تحرير الشام في إدلب عام 2018 باسم بنك الشام، بعد أن كانت شركة لتحويل الأموال باسم الوسيط، وكانت هذه المؤسسة بمقام البنك المركزي لفصيل الهيئة ومشاريعها الاقتصادية وأشهرها شركة وتد للمشتقات النفطية، ثم امتد نشاط بنك الشام إلى مؤسسات حكومة الإنقاذ التي أدارت هيئة تحرير الشام من خلالها محافظة إدلب وأجزاء من ريف حلب الغربي، واستمر البنك في العمل طيلة السنوات الماضية منحصرا نشاطه في مناطق سيطرة الهيئة، بنموذج أقرب لشركات تحويل الأموال منه إلى نماذج البنوك التقليدية، وبعد شهور من تبني الحكومة السورية للتطبيق لا يزال (بنك الشام) وهو الجهة الضامنة له غير مدرجا مع البنوك الخاصة لدى البنك المركزي السوري، ولا يعرف على وجه اليقين الجهة التي تديره وتشرف على حركة الأموال من خلاله وتضمن أمنه واستمرار ثقة العملاء به.

بالإضافة للشكوك حول التطبيق، تعرض مستخدموه لمشكلات عدة عند استلام رواتبهم من خلاله، كتوقفه عدة أيام، أو إبلاغ مشتركين فيه عن محاولات اختراق واحتيال، أو حدوث أخطاء في تحويل الأموال، مع وعود من فريق الدعم التقني للتطبيق بتحسينه وتحديث نظام الأمان فيه، محذرين من محاولات الاختراق والابتزاز التي يقوم بها محتالون ينتحلون صفة عاملين في إدارة التطبيق.

ورغم المخاوف والمحاذير العديدة التي تحيط باستخدام التطبيق فإنه يلقى رواجا كبيرا، نظرا لإلزامية استخدامه من قبل قطاع واسع من الناس، ولسهولة التعامل معه، ولمجانية تحويل الأموال من خلاله، وإتاحة إمكانية سحب النقود من خلال شركات صرافة ذات انتشار واسع بعمولة قليلة نسبيا، مع وجود آمال بتطويره وتوسيع شبكة الجهات المتعاملة به والخدمات المقدمة من خلاله وسد الثغرات الأمنية الموجودة فيه.

درس كبير عن تجربة غير مكتملة!

تحكي تجربة مؤسسة Ptt في شمال سورية قصة المشكلات التي تترتب على تركيز مقدمي الخدمات على الجوانب الإجرائية وتحصيل الأرباح مع إهمال احتياجات السكان ومتطلباتهم الحياتية، فالمؤسسة نجحت ولا شك في خدمة الحكومة التركية من خلال ضمان مراقبة الأموال وتحصيل فوائد كبيرة من تحويلها وساهمت في دعم الليرة التركية، ولكنها لم تراع إلى حد كبير جودة الخدمة المقدمة إلى السكان، فعقدت مشكلات كان يفترض بها أن تحلّها، وزادت صعوبات كان يطلب منها أن تزيلها.

ويقع على عاتق الحكومة السورية اليوم بعد أن تولّت إدارة القطاع المالي في البلاد أن تجد حلولا أفضل لتمكين الناس من حفظ أموالها ونقلها، وأن تلزم المؤسسات المحلية والأجنبية بتوفير البدائل المناسبة بجودة عالية، ومنها مؤسسة Ptt التي ستستمر الحاجة إلى خدماتها مع استمرار تواجد ملايين السوريين في تركيا تربطهم علاقات اجتماعية واقتصادية مع المقيمين في داخل سورية.

0 تعليقات