حين يصير الحق فضلا من الدولة.. أية آثار لبرامج الحماية الاجتماعية بالمغرب في سياق الدولة الإجتماعية

بواسطة: حسن علاوي


وفق ما ورد في تقرير للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بأن  46 في المائة من المغاربة بدون تغطية صحية، وأن 60 في المائة منهم غير مشمولين بنظام لمنح رواتب بالتقاعد، الشئ الذي يفيد بهشاشة الوضعية "السوسيواقتصادية" لفئات واسعة من المجتمع المغربي، ويعبر عن صعوبة تحسين مؤشرات التنمية البشرية على المدى القريب والمتوسط، وأيضا محدودية التمتع بالحقوق والحريات الأساسية، وهو الوضع الذي من المفروض أن يخلق توجسا للحكومات المتعاقبة، والاشتغال أكثر على هذا المجال الحيوي، ضمانا للحقوق والحريات، وحفاضا على سلامة وأمن المجتمع، اجتماعيا وسياسيا.

لقد تبين من خلال العشرية الأخيرة بأن الحكومات بادرت إلى إصدار قوانين، وعديد من المبادرات المؤسساتية التي تفيد بأن هناك رغبة في معالجة الوضع، غير أن الملاحظ بأن تلك المبادرات لا تكفي، أو أنها جاءت متأخرة، مما يدعو إلى إصلاح مجموعة من الاختلالات البنيوية التي تحول دون السير قدما نحو الهدف.



فإلى أي حد ساهم ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب في تقليص الهوة بين الأفراد وتحقيق العدالة الاجتماعية؟ وهل بإمكان الحماية الاجتماعية ضمان مستوى مقبول من الحقوق؟ 



1.   طريقة الاستهداف: 

إذا اعتبرنا بأن الحماية الاجتماعية هي "مجموعـة البرامـج والتدخـلات المصممة لمنـع الفقر وقابلية التعـرض للمخاطر والاستبعاد الاجتماعي أو التخفيف من حدتهـا، وذلـك بدعم وحماية الأفراد وأسـرهم في حالة حـدوث صدمات سـلبية في الدخل، وتوفيـر إمكانية الحصول علـى الخدمـات الاجتماعية الأساسـية. وتعتبر أدوات الحماية الاجتماعية عنصرا أساسـيا في سياسـة الرعايـة الاجتماعية"، فإنه من المفروض مراعاة قبلا طريقة الاستهداف، على اعتبار أنها المدخل الأساس لضمان نتائج ناجعة وفعالة.



         ركز تقرير لوزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة المغربية على خلل في طريقة استهداف برامج الحماية الاجتماعية بالمغرب، مشيرا إلى غياب آلية موحدة تساعد على طريقة الاستهداف، والتي بإمكانها أن تكون منصفة وفعالة وناجعة ومندمجة. وهو ما حدا بالحكومة المغربية، وفقا لذات التقرير إلى إعداد والمصادقة على مشروع القانون رقم 72.18 المتعلق بمنظومة استهداف المستفيدين من برامج الدعم الاجتماعي، وبإحداث الوكالة الوطنية للسجلات، لغاية تحقيق الانسجام بين برامج الدعم الاجتماعي، مع ضمان تنسيق والتقائية البرامج. وهي ذاتها التحديات التي عالجها تقرير للمجلس الأعلى للحسابات بصفته الموكول إليه الوقوف عند اختلالات البرامج الوطنية و"أداء" المؤسسات، حيث اعتبر بأن برامج الحماية الاجتماعية تعاني من مشكل محدودية معايير الاستهداف، خصوصا حين الاعتماد على طرق تعرف بذاتها نقائص جمة كما هو الحال حين الاعتماد على بطاقة "راميد".



صحيح بأن المغرب ليس استثناءا ضمن دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط، حيث أن جل الدول تعاني من مشكل الاستهداف في أنظمة الحماية الاجتماعية المعتمدة لديها. لكن الوضع لا يغنينا عن إمكانية نجاح تجربة المغرب، وقابليتها لتجاوز مجموعة من الاختلالات وبلوغ الغايات المرجوة منها، خصوصا حين استحضار مبدأ تداول السلطة، والاستقرار الأمني، وأيضا توفر الموارد المالية المطلوبة، خصوصا وأن تمويل الحماية الاجتماعية قائم على المساهمات الإجبارية، ومبدأ التضامن الإلزامي بين الأفراد.

من المفروض إذن تحديد قاعدة الاستفادة لتشمل الفقراء والمحتاجين فقط، على خلاف ما نعيشه اليوم من كون إعانات الطاقة على سبيل المثال لا تراعي طريقة الاستهداف المطلوبة، حيث يذهب "نصف إجمالي الإنفاق على دعم الطاقة في الاقتصادات منخفضة ومتوسطة الدخل إلى أغنى 20 في المائة من السكان الذين يستهلكون نسبة أكبر من الطاقة"، وهو ما يدعو إلى إعادة النظر في طريقة الاستهداف، وتجاوز الطرق التقليدية المعتمدة على التخمينات وتقديرات ومزاجية الموظفين القائمين على عمليات الاستهداف.



2.            مدى بلوغ الغايات:

إن الغاية من برامج الحماية الاجتماعية هو التخفيف من حالات الفقر والإقصاء، مع الإبقاء على يقظة تامة تجاه مسببات الحرمان والعوز، وهو الأمل الذي من المفروض أن يراود العديد من الدول ذات مؤشرات التنمية البشرية المنخفضة، والتي تعاني من صعوبة في تنزيل أهداف التنمية المستدامة التي يعد فيها القضاء على الفقر بجميع أشكاله هدفها الأول.

فالحماية الاجتماعية لم تعد أمرا اختياريا، بل أملته ظروف عالمية قوامها التمتع ضمان التمتع بالحقوق، اعتبارا لكون "الضمان الاجتماعي بصفته حقا من حقوق الإنسان وتوسيع ولاية منظمة العمل الدولية بهدف توسيع نطاق الضمان الاجتماعي ليشمل الجميع"، بالتالي، صار لزاما على الدول الأخذ بجدية احتياجات الأفراد من الحماية الاجتماعية، عوض اعتبارها أمر غير ملح، أو بمثابة قطاع منهك للميزانية العامة.



إن الغاية إذن من برامج الحماية الاجتماعية هو ضمان التمتع بالحقوق والحريات الأساسية، كما أنها آلية لتقليص معدلات الفقر والهشاشة، وتحقيق العدالة الاجتماعية وتقليص الهوة بين الفقراء والأغنياء، وما سوى ذلك، وهي كلها مدخلات لا تتوفر حاليا في تجربة المغرب.



3.            هل من أثر على المدى المتوسط والبعيد:

بالنظر إلى برامج الحماية الاجتماعية بالمغرب، فنظام المساعدة الطبية، وبرنامج تيسير لدعم التمدرس، وأيضا مساعدة ذوي الاحتياجات الخاصة وغير ذلك من البرامج، كلها مبادرات تندرج ضمن ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب، وتعاني من مشكل في التنزيل، خصوصا على مستوى فلسفة الحماية الاجتماعية والغاية منها، أو على مستوى طرق الاستهداف، فما بالك بقياس الأثر النوعي الذي سيكون لا محالة دون المستوى المطلوب.



فالتخبط التدبيري الذي تعيش على وقعه برامج الحماية الاجتماعية، لا يساعدنا في التنبؤ بنتائج ذات أثر إيجابي على المدى المتوسط، خصوصا حينما يتم إحداث برامج مثل نظام المساعدة الطبية المعروف اختصارا براميد، أو برنامج الدعم المباشر للأرامل في وضعية هشة الحاضنات لأطفالهن اليتامى، أو برنامج التحويلات المالية المعروف بتيسير، ثم بعدها يتم تعويضها بأخرى، حتى صار الأفراد رهينة إعداد الوثائق، وتحت رحمة أجهزة الدولة، كآلية للضبط، مما ساهم في "إنتاج" أفراد يؤمنون بالمساعدة assistanat، والبقاء تحت رحمة المساعدات، عوض اعتبار الأمر حقا من حقوقه.



إن هذا الوضع ساهم بشكل مباشر في تشكل رؤية الأفراد تجاه برامج الحماية الاجتماعية وكأنها الخلاص من الفقر والعوز، أو أنها الفرصة الفريدة للاستفادة من هذه الدولة التي لم تقدم لنا شيئا في نظر الأفراد، مع تفادي أي أمر له علاقة بجودة الحياة الذي بإمكانه أن يحول دون الاستفادة تحت ذريعة ارتفاع المؤشر. وكل هذا وذاك ولد لنا ارتباطا وجدانيا للأفراد تجاه الدعم، وهو ذاته الارتباط الذي ولد حواجز عقلية من العسير تجاوزها من قبل الأفراد.



إن الحكومات المتعاقبة مطالبة بالتوفر على رؤية إستراتيجية بعيدة المدى، وليس محاولات مشتتة هنا وهناك لحل مشاكل متراكمة منذ عقود، وببرامج قطاعية غير ذات التقائية مطلوبة.



خلاصة:



بإمكان برامج الحماية الاجتماعية التقليص من الهوة بين الفقراء والأغنياء، والمساعدة على استقلالية وتمكين الأفراد، وتفادي الاعتماد على الرعاية والإعالة كما هو سائد في المجتمعات المتخلفة، بالتالي صعوبة تحقيق مبادئ الدولة الاجتماعية والعدالة الاجتماعية والانصاف.



على هذا الأساس، فإن تجربة الحماية الاجتماعية بالمغرب استطاعت خلق أصداء إيجابية في أوساط الفئات الشعبية والفقيرة، الأمر الذي يبدو جليا حين استهداف الفئات الهشة، ومحاولة تحسين الدخل، ودعم القدرة الشرائية بعديد من المبادرات، وأيضا تحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية، سواء منها التعليمية أو الصحية، الشئ الذي خلق انطباعا لدى الأفراد حول استفادتهم، ولو بنزر يسير من الثروة الوطنية.



في ذات الوقت، لم نستطع الى اليوم تحقيق الأثر المتوخى على المدى المتوسط، وذلك نتيجة صعوبة ضبط الاستهداف، والتخبط أحيانا في فلسفة التدخل، من إحداث لمبادرات، وإلغاء لأخرى، دون الوقوف عند تحديد الأثر، ودراسة الجدوى. إذ الغاية من برامج الحماية الاجتماعية هو ضمان التمتع بالحقوق والحريات، وليس اعتبارها هبة أو منة، وبين الأمرين فرق شاسع.



عموما، فبرامج الحماية الاجتماعية بالمغرب تحتاج إلى نفس جديد وفلسفة جديدة تستحضر مبادئ الانصاف والعدالة الاجتماعية، وتحقيق نتائج نوعية بالأساس، وضبط التوازن بين الفقراء والأغنياء.

 

لائحة المراجع:

  • الحماية الاجتماعية في المغرب؛ واقع الحال، الحصيلة وسبل تعزيز أنظمة الضمان والمساعدة الاجتماعية، رأي المجاس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إحالة ذاتية رقم 34/2018.
  • قانون – إطار رقم 09.21 المتعلق بالحماية الاجتماعية، صادر بالجريدة الرسمية عدد 6975 بتاريخ 5 أبريل 2021.
  • مذكرة تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2020، وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة.
  • تقرير حول الأنشطة برسم سنتي 2019 و 2020، المجلس الأعلى للحسابات، الجريدة الرسمية عدد 7073 مكرر، 14 مارس 2022.
  • الحماية الاجتماعية في الدول العربية التي تمر بحالات النزاع والمتأثرة بالنزاعات؛ التحديات الأساسية وتوصيات لواضعي السياسات، غادة برسوم وندى قاسم، برنامج إدارة التحولات الاجتماعية، منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة، 2019.
  • بناء مستقبل الحماية الاجتماعية من أجل عمل متمحور حول الإنسان، منظمة العمل الدولية، مؤتمر العمل الدولي، الدورة 109، 2021.

0 تعليقات