عودة ولكن: أزمات السكن والمعيشة حمل ثقيل على العائدين إلى حمص
- بواسطة محرر سياسات
- 2025-07-14
بواسطة: ليلى الهاشمي| زميلة برنامج زمالة سياسات سوريا
ما من شعور يشبه لحظة العودة إلى الوطن، أن تطأ أرضاً كنت تعرفها جيداً وحُرمت منها، أن تمشي في شوارع طبعت في ذاكرتك وأنت طفل، أن تلمح أطلال بيتك من بعيد وتحدّق في الركام، تبحث بعينيك عن أثر لصورة، لباب، لنافذة، لشيء يشبهك. وحين تدرك أن ما بقي من البيت لا يكفي ليكون سقفاً يحميك من العراء، تفهم أن العودة لم تكتمل. هذا الإحساس عاشته ميساء بكل تفاصيله.
مع خيوط الفجر الأولى ليوم العودة، كانت ميساء (50 عاماً) تتأمل القرى والبلدات التي تحمل العلم السوري الأخضر على الطريق الطويل الواصل بين جرابلس في أقصى شمال سوريا ومدينة حمص، ومع الأمتعة والحقائب التي تزدحم بها الشاحنات، كانت ميساء تحمل الكثير من الذكريات، بداية من شرارة الثورة السورية وقمعها العنيف، وشهور الاعتقال المريرة، وجولات متكررة في إسعاف وتمريض الجرحى من بابا عمرو إلى المدينة القديمة في حمص وصولاً إلى حي الوعر، الذي كان آخر محطة لهم قبل بعد نزوح قسري امتد لأكثر من ثماني سنوات في مخيمات الشمال،
لم تعلم أن التحديات التي في انتظارها لن تكون أقل قسوة مما عاشته في المخيم، فقد اصطدمت بواقع معيشي صعب مع أزمات البحث عن سكن، في محافظة وصلت نسبة الدمار في كثير من أحيائها إلى أكثر من 50%، حسب تقارير المنظمات الدولية والمحلية التي وثقت حجم الخراب الواسع في الأحياء السكنية والمنشآت العامة.
لم تكن عودة ميساء والكثيرين من قاطني المخيم مخطط لها، لكن قطع خدمات الماء والكهرباء وتوقف عملهم الذي تأثر بوقف تمويل المنظمات، أجبرهم على حسم قرار العودة إلى مدينة حمص، ليواجهوا تحديات جديدة، ففي ظلّ مؤشرات تعافي جزئية شهدتها مناطق بسوريا خلال الأشهر الماضية، تطلّ أزمة السكن بوجهها المقلق على العائدين إلى مدينة حمص، الذين يواجهون صعوبات تجمع بين المنازل المدمرة وغلاء المعيشة وشح المساعدات.
عائدون بلا سقف
تعكس قصص العائدين واقعاً مركباً، بين فرحة التحرير وانتصار الثورة السورية والعودة إلى الديار والواقع القاسي على الأرض، إذ تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن أكثر من 1.4 مليون شخص سوري عادوا إلى مناطقهم منذ سقوط نظام الأسد في ديسمبر الماضي حتى مايو 2025، بينهم نحو 370 ألف لاجئ خارجي و 1.03 مليون نازح داخلي، وتتوقع مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عودة ما يصل إلى 3 ملايين نازح ولاجئ إلى ديارهم بحلول نهاية عام 2025، لكن ما وراء هذه الأرقام واقع قاسٍ: يعود السوريون إلى الأماكن التي تهجروا منها، لكنهم لا يجدون سقفاً يؤويهم مع عائلاتهم.
من أصل 13778 مبنى سكني تضرر إثر القصف في حمص وحدها، وُجد 3082 منزلاً مدمراً كلياً، و 5570 منزلاً متضرراً بشدة، و 4946 منزلاً متضرر جزئياً وفق تقييم جرى عام 2019 لمعهد الأمم المتحدة للبحث والتدريب (UNITAR)؛ فيما أشار مهندسون محليون إلى أن حوالي 9% فقط من المباني المتضررة في حمص يمكن ترميمها بسهولة، بينما يتطلب الباقي هدماً وإعادة بناء كليّاً، مما يترك آلاف العائلات بلا مأوى أو بحاجة إلى ترميم مكلف يفوق إمكاناتها المحدودة.
في أزقة حي الخالدية، حيث تصدّعت الجدران وتحولت كثير من المنازل إلى ركام وكتل إسمنتية مهجورة، يتحدث حسام (48 عاماً): "عدت إلى منزلي فوجدته ركاماً. الحي بأكمله ما يزال مدمراً بنسبة كبيرة. الحياة في مخيم زوغرة كانت صعبة وبلا أمل، واليوم لدي أمل ولكن ليس لدي مسكن. لا أعرف جهة يمكن أن تساعدني في إعمار جدار واحد من بيتي المدمر".
الترميم وغلاء الإيجارات... تكاليف تفوق قدرة العائدين
تتراوح تكلفة إصلاح المنزل المتوسط في حمص بين 30 و40 مليون ليرة سورية (3–4 آلاف دولار أميركي)، وهو رقم يفوق إمكانات معظم الأسر، خاصة أن أسعار مواد البناء مازالت مرتفعة.
في الوقت نفسه، يشهد سوق الإيجارات تضخماً حاداً بفعل ندرة الشقق الصالحة للسكن، حيث تبدأ أسعار الإيجارات الشهرية من مليون ونصف ليرة سورية على الأقل، ويؤكد أصحاب المكاتب العقارية في حمص أن الإيجارات ارتفعت أكثر من 70% خلال الأشهر الماضية إثر زيادة الطلب على الشقق وعدم وجود ما يكفي منها، خاصة أن المدينة لم تشهد أي مشاريع إعمار أو حتى إعادة إعمار منذ عام 2011.
انعدام البدائل دفع كثيرين إلى القبول بسكن مشترك مع الأقارب أو السكن في بيوت لم يستكمل بناؤها، أو السكن في منازل متضررة والاكتفاء بإغلاق فتحاتها بقطع قماش أو ألواح خشبية.
مأزق الفجوة بين الأسعار والأجور
إضافة إلى غلاء الإيجارات يواجه العائدون إلى حمص ضغوطاً معيشية، إذ قدّرت تكاليف معيشة الأسرة السورية بنحو 9 ملايين ليرة سورية شهرياً لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية التي تتضمن الغذاء، وتكاليف وسائل نقل والتعليم والصحة، في المقابل، لا يتجاوز دخل العاملين في القطاع الخاص 100 دولار أميركي شهرياً (ما يعادل نحو 1 مليون ليرة سورية)، فيما لا يتجاوز متوسط رواتب الموظفين في القطاع الحكومي 350 ألف ليرة سورية شهرياً (نحو 32 دولاراً)، وهو مبلغ لا يكفي إلا لجزء صغير من تكاليف المعيشة، وقد صدر مؤخراً قرار بزيادتها بنسبة 200%، أما معدل البطالة في محافظة حمص بلغ 17.23% بنهاية الربع الأول من 2025، ما يجعل أكثر من واحد من كل ستة عاطلين عن العمل، وفق منصة “معلومات سوق العمل” التابعة للحكومة السورية، هذه
المعادلة القاسية بين التكاليف المرتفعة للمعيشة والدخل المحدود وارتفاع أسعار المواد والخدمات الأساسية تبطئ من عجلة السير نحو التعافي والتنمية.
تقول ميساء: "حاولت البحث عن العمل بمجال التمريض في كل المستشفيات في المدينة، مع كل الخبرة التي أمتلكها كان أعلى راتب شهري يقدمونه هو 500 ألف ليرة سورية، صدمتني هذه الأجور لأنها لا تكفي أي شخص ولا حتى لأسبوع"
تراجع التمويل يفاقم التحديات الإنسانية في سوريا
في ديسمبر/كانون الأول 2024، أصدرت الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب قراراً بتخفيض حاد في برامج المساعدات الخارجية، شمل أكثر من 12 دولة حول العالم، من بينها سوريا التي كانت من الأكثر تضرراً.
بحسب الأرقام الرسمية، بلغت قيمة التخفيضات المخصصة لسوريا وحدها نحو 237 مليون دولار، شملت تقليصاً في تمويل برامج إعادة التأهيل، وقطع 111 مليون دولار من الدعم الغذائي الذي يقدمه برنامج الأغذية العالمي، ما انعكس بشكل مباشر على قدرتها على إيصال المساعدات الحيوية لملايين السوريين. وعلى الأرض، بدا أثر هذا القرار جلياً، فقد أُجبرت 13 وكالة إغاثية على إغلاق مكاتبها ووقف عملياتها، مما حرم نحو 1.2 مليون شخص من خدمات كانت تشكل لهم شريان الحياة خاصة في مخيمات النزوح، وفي هذا السياق، أعلن منسق الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في سوريا أن 16.5 مليون إنسان داخل البلاد بحاجة ماسّة للمساعدات الإنسانية، محذّراً من أن الأزمة قد تتفاقم في حال استمر غياب الدعم الدولي، وتعثرت برامج الاستجابة العاجلة.
قوافل العودة.. بداية جديدة
ضمن الجهودٍ للمساعدة في عودة المهجّرين إلى أحيائهم، بدأت حملات قوافل العائدين التي أشرفت عليها مؤسسة “وقف فرح” منذ 18 شباط/فبراير 2025 لنقل المهجّرين القسريين من مخيّمات الشمال السوري إلى حمص، وبلغ عدد العائلات التي استفادت من هذه القوافل حتى الآن نحو 1,800 عائلة، هدفت هذه الحملات إلى مساعدة العائلات غير القادرة على تأمين أجور العودة ونقل الأمتعة والأثاث إلى مدينتها بعد تهجير قسري، بالإضافة إلى منح ألبسة جديدة عند الوصول، وسلل غذائية تكفي كل أسرة شهراً كاملاً.
د.زاهر سحلول، مدير منظمة "ميدغلوبال"، يقول: "نحو 2,700 عائلة حمصية نزحت من حي الوعر بعد حصار استمر لسنوات، وانتهى في 2017، إلى مخيم في وسط الصحراء قرب جرابلس، والآن، عادوا إلى مدينتهم بمساعدة منظمات إنسانية تولّت النقل والدعم اللوجستي". لكنه يضيف: "النازحون العائدون يحتاجون إلى بيوت وعمل وطعام ومدارس وصحة ودعم نفسي واجتماعي ودمج جديد في المجتمع. العمل كبير والإمكانات محدودة ولا بد من تضافر الجهود.".
مبادرات محلية تشاركية تضيء بعض الأمل
رغم التحديات العديدة التي يفرضها الواقع، ومع السعي الحثيث لإعادة الحياة إلى طبيعتها في القرى والمدن التي تحررت من حكم النظام السوري السابق، انطلقت مبادرات محلية متعددة بهدف تمهيد الطريق لعودة السكان، والمساهمة في التخفيف من آثار الحرب المدمرة.
في هذا الإطار، أطلق مجلس محافظة حمص بالتعاون مع الدفاع المدني السوري وعدد من المنظمات المحلية والفرق التطوعية ورجال الأعمال، حملة "حمص بلدنا" في 29 يناير/كانون الثاني 2025، بهدف تحسين الواقع الخدمي في الأحياء المتضررة وتعزيز الشعور بالأمان والانتماء.
يقول سامر، أحد المتطوعين في الحملة، وهو يتأمل شارعاً في حي جورة الشياح الذي كان يوماً ما خط تماس: "أريد أن أرى ابني يمشي في هذا الشارع دون أن يخاف من العتمة، ودون أن يسألني عن معنى كلمة قنص، أريد أن يرى أرصفة نظيفة، لا متاريس ترابية، ولا ركام يعيق السير".
تنفَّذ الحملة على ثلاث مراحل مترابطة؛ تبدأ أولاً بمرحلة التأهيل، والتي تشمل فتح الطرقات، وإزالة الأنقاض، وتأهيل الحدائق، وطلاء الأرصفة، وتحسين الإنارة العامة، لتوفير بيئة أكثر أماناً وجمالاً للسكان. يليها ما يُعرف بمرحلة الإدارة، حيث تُشكّل لجان أحياء تعمل على التنسيق مع الجهات المعنية ومتابعة صيانة المرافق لضمان استمرارية الخدمات. أما المرحلة الثالثة فهي المتابعة والتطوير، وتهدف إلى الاستمرار في تحسين الواقع الخدمي وتوسيع نطاق العمل ليشمل أحياء جديدة، مما يعزز من استدامة التحسينات ويحولها إلى منجزات ملموسة في حياة الناس.
في حمص، كما في مدن سورية كثيرة، لا تعني العودة نهاية الحكاية، بل بداية فصل جديد من التحديات. يتعثر قطار التعافي، لكنه لم يتوقف بعد. ففي الشوارع التي نفضت عنها رماد الحرب، وبين الأزقة التي بدأت تستعيد لونها بعد سنوات من الدمار، تحاول حمص أن تتنفس من جديد، رغم كل ما يثقل كاهلها.
العائدون لا يعودون فقط إلى منازل مهدّمة أو منشآت متآكلة، بل إلى ذاكرة جماعية مثقلة بالخسارات، وإلى مدن تتلمّس طريقها نحو التعافي وسط واقع معيشي ضاغط، وغلاء خانق، وبُنى شبه غائبة، ودولة لا تزال في طور التشكل، ومجتمع دولي منشغل عنها.
ورغم ذلك، لا تزال الحكاية تُكتب. يُخاض نضال ناعم، صامت، لكنه لا يقل شجاعة عن أي معركة خاضها السوريون من قبل. أحدهم يرفع حجراً، آخر يزيح الغبار عن عتبة، امرأة تزرع نبتة في حديقة منزل نصف مهدم، أخرى ترسم وجوه الشهداء على جداريات المدينة، وشباب يصلحون إنارة زقاق طالت عتمته. تفاصيل صغيرة، لكنها تقول الكثير: أن أهل البلد لن يتخلوا عن حقهم في استعادة الحياة، ولو بعد حين.
المصادر
https://data.humdata.org/dataset/f628f1d4-2ca8-4e8a-83d4-fe4610e56565
https://beta.lmo.sy/indicators/details/35/1066
الآراء الواردة في المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة أراء وتوجهات معهد سياسات
اقرأ المزيد
النشرة البريدية
احصل على آخر اخبارنا وتحديثاتنا
0 تعليقات