معاناة المغاربة اليومية مع "أصحاب السترات الصفراء"

طارق الكانة - باحث في سلك الدكتوراه؛ مختبر الدراسات والأبحاث في العلوم السياسية، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة المولى إسماعيل مكناس، المغرب


كان سعيد، موظفًا بسيطًا يعيش في مدينة الدار البيضاء، قد اعتاد أن يركن سيارته قرب مقر عمله كل صباح. في البداية، لم يكن الأمر معقدًا: يوقف سيارته في شارع عمومي ويمضي إلى مكتبه دون مشاكل. لكن مع مرور الوقت، ظهر "صاحب السترة الصفراء" أو كما يُعرف شعبيًا في المغرب بـ"مول الجيلي"، شاب يرتدي سترة صفراء، يمسك صفارة صغيرة، ويقف وكأنه "مالك" للمكان.

 

في اليوم الأول، اقترب من سعيد بابتسامة وقال: “مرحبا سيدي، لقد خصصت لك موقعًا مناسبًا، فلتكن عونًا لنا برحمة الله."

 

مدّ له سعيد عشرة دراهم على مضض، رغم أن المكان عمومي ومجاني. ومع مرور الأيام، أصبح الأمر أشبه بالإجبار: كل صباح يُطلب منه المبلغ نفسه تقريبًا، وكل مساء يعيش خوفًا من أن يتعرض زجاج سيارته للكسر أو عجلاتها للتفريغ إذا رفض الدفع.

 

وذات يوم، قرر سعيد أن يمتنع عن الدفع، فجاءه الرد بلهجة غاضبة: "هذا عملي، وأنا مسؤول عن سيارتك، فإذا أردت أن تمر دون أن تساعدنا، فلا أضمن ما قد يحدث."

 

شعر سعيد بالابتزاز وكأن سيارته أصبحت رهينة بيد شخص لا يملك أي سند قانوني. ومع ذلك، لم يكن أمامه خيار آخر، لأن الشرطة نادرًا ما تتدخل، والبلدية لم توفر بدائل منظمة.

 

سعيد لم يكن وحده؛ فقد عاش سكان الحي التجربة نفسها:

  • بعضهم يدفع صامتًا خوفًا من المشاكل.
  • آخرون يدخلون في شجارات يومية مع الحراس.
  • وهناك من يضطر إلى تغيير مكان ركن سيارته بعيدًا عن عمله لتفادي الاحتكاك.


تحولت شخصية "مول الجيلي" إلى رمز لغياب الدولة عن الفضاء العمومي. فبالنسبة لسعيد، لم يعد الأمر مجرد "درهمين أو عشرة" يوميًا، بل أصبح شعورًا بالقهر؛ إذ غابت حماية حقوق المواطن، وأصبح الفضاء العام الذي يفترض أن يكون ملكًا للجميع مُستحوذًا عليه بالقوة والتهديد.

 

بين الاستغلال والجدل العام

ظاهرة حراس السيارات في المغرب –أو ما يعرف شعبيًا بـ"مول الجيلي"– أصبحت من أبرز إشكالات استغلال الفضاء العمومي. وقد أثارت هذه الفئة، التي تميز حضورها اليومي بسترها الصفراء، نقاشًا واسعًا حول شرعية استحواذها على الشوارع والساحات وحدود مسؤولية الدولة في حماية الملك العام.

 

وفقًا لاستطلاع أنجزه المركز المغربي للمواطنة بمشاركة 1173 شخصًا، عبّر 87.7% من مستعملي السيارات عن استيائهم من مضايقات حراس السيارات، بينما أبدى 93% من المغاربة غضبهم من احتلال الملك العمومي.

 

وفي هذا السياق، أطلقت حملة رقمية واسعة على شبكات التواصل الاجتماعي تحت شعار: "Boycott Moul Gilet – ضد مول الجيلي الأصفر".
 استخدم المغاربة الفضاء الافتراضي للتعبير عن استيائهم، وتبادل المعلومات حول مواقع المواجهات مع الحراس غير القانونيين، وتوثيق التجاوزات بالصوت والصورة، إضافة إلى تقديم شروحات قانونية حول كيفية التعامل مع الظاهرة باستدعاء الشرطة أو المفوضين القضائيين. وقد وجدت هذه المبادرة صدى واسعًا في الإعلام المكتوب والإلكتروني، كما ساهمت النقاشات العمومية والبثوث المباشرة على "يوتيوب" في تعزيز وعي المواطنين بحقوقهم وممارسة الضغط على السلطات.

 

القانون 57.19: خطوة نحو حماية الفضاء العام

هذه الديناميكية الاجتماعية ساهمت في تسريع إصدار البرلمان المغربي للقانون رقم 57.19 المتعلق بنظام الأملاك العقارية للجماعات الترابية (22 يوليو/تموز 2020)، كخطوة ملموسة لحماية الفضاء العام وضمان استخدامه العادل من قبل المواطنين.

يؤكد القانون أن الملك العمومي ركيزة أساسية في الحياة اليومية، يشمل الطرق، الساحات، الحدائق، الشواطئ، الأسواق، المدارس، المستشفيات والمنشآت العمومية. هذه الفضاءات ملك جماعي، غير قابلة للبيع أو الرهن أو الكراء، بخلاف الملكيات الخاصة. كما منح القانون صلاحيات تنفيذية للسلطات الترابية المحلية لزجر كل مخالفات الاستغلال غير المشروع.

 

وبعد صدور القانون، أصبح المواطنون قادرين على الاستفادة من الشارع العام دون اصطدامات مع "حراس السيارات"، وانخفضت مستويات الاستياء بين مستعملي الطرقات والساحات.

 

أصوات من الميدان

  • (ر.خ) سائق سيارة: "كل يوم كنت أُجبر على دفع المال. بعد صدور القانون، ركنت بلا نقاش… وشعرت براحة كبيرة."
  • (س.م) صاحبة دكان: "كان الحارس يجبر الزبائن على الأداء أمام محلي. اليوم استعاد الشارع هدوءه وانتعشت الحركة التجارية."
  • (ل.ع) موظف: "كان البحث عن مكان للركن يكلفني وقتًا وتكاليف زائدة. الآن أصل إلى عملي في الوقت المحدد… بلا مشاكل."
  • السيد أحمد (مواطن من الدار البيضاء): "بعد تطبيق القانون 57.19، أصبح الشارع أكثر هدوءًا وانتظامًا. لم نعد نشهد الاصطدامات أو الكلام الفاحش. نشعر اليوم أننا نستعيد فضاءنا العمومي بكرامة."

وتؤكد مؤشرات المتابعة انخفاض الشكايات المرتبطة بالاحتلال غير القانوني، وارتفاع مستوى رضا المواطنين عن نظافة الشوارع وتنظيمها، وتحسن حركة المرور وسهولة الولوج إلى الفضاءات العامة. كما انخفضت نسبة الاستياء من احتلال الملك العمومي من 93% إلى 40%.

 

التحديات المستمرة

رغم هذه الخطوات، ما تزال التحديات قائمة. فعدد من حراس السيارات يرفضون التخلي عن هذه "المهنة" غير المهيكلة التي تعد مصدر رزق لهم، ما يعقّد جهود القضاء على الظاهرة. كما أن مسؤولية المجالس الترابية والشرطة في التفعيل الفعلي للقانون تبقى حاسمة، إذ يظل تساهلها أو تأخرها سببًا في استمرار معاناة المواطنين.

 

إن حماية الملك العمومي ليست مجرد قضية قانونية، بل هي رهان حضاري يعكس مدى احترام الدولة والمجتمع لحقوق المواطنين المشتركة. فالفضاء العام ملك للجميع، ويجب أن يبقى مفتوحًا وآمنًا ومنظمًا، بعيدًا عن منطق الاستحواذ الفردي أو الحلول الترقيعية.

 

واليوم، أصبح من الضروري أن تتبنى مؤسسات التدبير المحلي مقاربة حازمة وشفافة تعيد الاعتبار للمجال العمومي وتكرس ثقة المغاربة في سياساتهم العمومية.

 


0 تعليقات