دوافع دمج المقاتلين الأجانب في الجيش السوري الجديد


 

 بواسطة: محمد السعيد | زميل برنامج زمالة سياسات سوريا


تمهيد

شهدت سوريا في ديسمبر/كانون الأول 2024 تحولاً جذرياً بسقوط نظام بشار الأسد ووصول هيئة تحرير الشام إلى السلطة، الأمر الذي فتح الباب أمام تحديات معقدة تتعلق بإدارة المرحلة الانتقالية وإعادة بناء مؤسسات الدولة من جديد.

 

 ومن بين أبرز الإشكاليات التي واجهت الحكومة الجديدة، برزت مسألة التعامل مع المقاتلين الأجانب الذين شاركوا في عمليات ردع العدوان ومعارك أخرى طوال سنوات الثورة.

 

تُعدّ ظاهرة المقاتلين الأجانب قضية متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية والقانونية والإنسانية. فمن جهة، يُمثل هؤلاء المقاتلون رصيداً من الخبرات العسكرية التي أسهمت في تغيير موازين القوى، ومن جهة أخرى، يثير وجودهم قلقاً إقليمياً ودولياً متزايداً بشأن الأمن والاستقرار في المنطقة.

 

كان سقوط نظام الأسد مفاجئاً لقادة وأفراد عملية ردع العدوان والمجتمع الدولي على حدٍ سواء، وبرزت تحديات وتساؤلات عدة مع وصول هيئة تحرير الشام إلى الحُكم من بينها مصير المقاتلين الأجانب في صفوفها.  وفي الثاني من حزيران 2025 توافقت حكومة دمشق مع الولايات المتحدة الأمريكية على خطة لضمّ 3500 مقاتل أجنبي، أغلبهم من تركستان الشرقية (الأيغور) إلى الفرقة 84 في الجيش السوري، وهي فرقة لم تكن موجودة في عهد النظام البائد.

 

تركز هذه المادة على المقاتلين الأجانب المنضوين في صفوف هيئة تحرير الشام أو الفصائل المتحالفة معها، وتستثني من نطاقها الأجانب في قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، أو المنتمين إلى تنظيمات مثل حراس الدين وداعش، أو أولئك المحتجزين في السجون الخاضعة لسيطرة قسد

 

خلفية تاريخية

نالت ظاهرة المقاتلين الأجانب اهتماماً متزايداً خلال القرن الحادي والعشرين، إلا أنها ليست ظاهرة مستحدثة في النزاعات المسلحة، بل تمتد جذورها إلى عصور سابقة من التاريخ. فقد سجّل المؤرخون مشاركة مقاتلين أجانب في عدد من الحروب القديمة، مثل الإغريق الذين قاتلوا إلى جانب داريوس الثالث ضد الإسكندر الأكبر، ومشاركة فرنسيين وألمان في حرب الاستقلال الأمريكية في القرن الثامن عشر، وفي القرن العشرين، برزت الظاهرة بشكل أوضح خلال الحرب الأهلية الإسبانية، وحروب التحرر من الاستعمار، والصراع العربي– الإسرائيلي، وصولاً إلى الحرب السوفييتية–الأفغانية التي شكلت نقطة تحول مفصلية ساعدت في ظهور التيارات الجهادية العابرة للحدود.

 

وتُعرّف الأدبيات العلمية المقاتل الأجنبي بأنه:

"فرد يسافر إلى دولة غير دولته الأم أو بلد إقامته المعتاد، بغرض الانضمام إلى جماعة مسلّحة والمشاركة في نزاع مسلّح، من دون أن يكون جزءاً من القوات النظامية لأي من أطراف النزاع".

 

وتتجلى هذه الإشكالية من خلال عدد من السياقات:

السياق القانوني: يتباين تعريف المقاتل الأجنبي بين القانون الدولي الإنساني والقوانين الوطنية للدول، حيث لا يوجد إطار قانوني موحّد يضبط المصطلح.

السياق السياسي: يختلف توصيف المقاتلين الأجانب حسب المصالح السياسية للدول.

 

فبينما تُصنفهم بعض الدول كمقاتلين غير شرعيين، تنظر إليهم دول أخرى كـ"متطوعين دوليين" أو "مناصرين لقضية عادلة". فعلى سبيل المثال، فتحت أوكرانيا في حربها مع روسيا باب التطوّع للأجانب، ضمن إطار قانوني يمنح بعضهم حق الحصول على الجنسية الأوروبية.

السياق الأيديولوجي:

تلعب الأيديولوجيا دوراً في تشكيل النظرة إلى شرعية المقاتل الأجنبي. فالمقاتلون الذين شاركوا في الحرب الأهلية الإسبانية، مثلاً، اعتبرهم البعض مدافعين عن الديمقراطية، بينما رأى فيهم آخرون متطرفين.

 

السياق التاريخي:

يتغير توصيف المقاتلين الأجانب بمرور الزمن. فمن كان يُوصَف في الماضي بـ"المرتزق"، قد يُنظر إليه لاحقاً كـ"مناضل من أجل الحرية".

 

كما أن ضبابية التعريف تعود إلى تعدد الدوافع للمشاركة في القتال، بين دوافع إيديولوجية، ترتبط بشكل وثيق بالانتماء إلى تيارات فكرية (كحالة المقاتلين الذين انضموا إلى قسد)، مما يعكس التزام هؤلاء الأفراد بقضايا عرقية، ودوافع دينية، وهي التي تشكّل الدافع الأكبر لمن جاء إلى سوريا، حيث يشكل مفهوم الجهاد إطاراً دينياً يدفع العديد من المسلمين للقتال في بلدان غير بلدانهم دفاعاً عن إخوانهم في الدين، فالمقاتل الأجنبي المسلم يعتبر نفسه جزءاً من أمة إسلامية أكبر من القوميات وتتجاوز الحدود، وهناك أيضاً الدوافع الإنسانية، والدوافع الاقتصادية، وغير ذلك.

 

مقاربة الدولة السورية الجديدة

لجأت القيادة السورية الجديدة إلى مقاربة تجمع بين الاعتراف بدور هؤلاء المقاتلين وتضحياتهم في الثورة السورية وبين محاولة احتواء المخاوف الإقليمية والدولية من خلال تقديم ضمانات رسمية ففي تصريحات للرئيس أحمد الشرع خلال مؤتمر صحفي في باريس، أكد على الطبيعة الفردية والتطوعية لمشاركة هؤلاء المقاتلين مع نزع أي صبغة تنظيمية أو ارتباط خارجي عن وجودهم وهو ما يقصد به تخفيف حدة الاعتراضات الدولية، كما تعهد بأن هؤلاء المقاتلين ملتزمون بالقوانين السورية، وبأنهم لن يشكلوا أي تهديد الجيران سوريا أو لبلدانهم الأصلية، في محاولة واضحة لامتصاص الضغوط الإقليمية، أما فيما يخص ملف الجنسية، فقد تم تأجيل البت فيه إلى مرحلة لاحقة من خلال ربطه بالدستور المنتظر كما بيّن الرئيس، وهذا ما أكد عليه أيضاً المتحدث باسم لجنة الحوار الوطني بأن تجنيس المقاتلين الأجانب هو أمر متروك لمجلس الشعب بعد تشكيله، مما يتيح للدولة الحفاظ على هامش من المرونة السياسية والقانونية، وتعكس هذه المقاربة سعياً متوازنا بين عدم التفريط بالمقاتلين الأجانب والاستفادة من خبراتهم القتالية، وبين محاولة طمأنة الأطراف الإقليمية والدولية وضمان عدم تحول وجودهم إلى عنصر تهديد للاستقرار الإقليمي أو لوحدة المؤسسة العسكرية الوطنية.

أيضاً، من أهم الضمانات المؤسسية التي اعتمدتها الحكومة السورية الجديدة لضبط أداء الجيش الوطني وتوحيد هويته، صدور لائحة قواعد السلوك والانضباط العسكري عن وزارة الدفاع، والتي تفرض على كل المنتسبين، بمن فيهم المقاتلون الأجانب، الالتزام بميثاق أخلاقي وسلوكي صارم. إذ تؤكد اللائحة على حماية المدنيين، ونبذ التمييز، واحترام حقوق الإنسان، والتقيد بالأوامر القانونية، وعدم الإضرار بالممتلكات، ورفض أي سلوك يمس وحدة المجتمع أو يهدد السلم الأهلي.

 

ولا تعد هذه اللائحة مجرد دليل إجرائي، بل تشكل تجسيداً عملياً لهوية الجيش السوري الجديد بوصفه "درع الدولة والمجتمع". ومن خلال تطبيق قواعد المحاسبة الصارمة، وتعميم ثقافة الانضباط، تضمن الدولة ألا يكون دمج المقاتلين الأجانب سبباً لزعزعة الاستقرار أو نشر الفوضى، بل مصدر قوة مضافة في إطار وطني جامع.

 

دوافع دمج المقاتلين الأجانب في الجيش الجديد: الضرورات والرهانات

يمكن تلخيص دوافع الدولة السورية لدمج المقاتلين الأجانب في الجيش الجديد ضمن أربعة مستويات: الاستفادة العملية من الخبرات القتالية المتراكمة خاصة في ظل تحديات مستمرة على جبهات متعددة   والاعتراف بتضحياتهم ودورهم في التحرير، ومنع ظاهرة الميليشيات الخارجة عن السيطرة من خلال الضبط المؤسسي وتجميع القوى المسلحة تحت قيادة مركزية؛ وأخيراً، الاعتبارات الواقعية المرتبطة بصعوبة إعادة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم الأصلية بسبب المخاوف من الملاحقة القانونية، أو عدم قبول عودتهم:

الاستفادة من خبراتهم العملية والعسكرية: راكم المقاتلون الأجانب خبرات قتالية متقدمة، ولديهم قدرة عالية على الصمود والتكيف في ظروف الحرب المتنوعة، والاستفادة من هذه الخبرات ضرورة يفرضها الواقع السياسي والأمني والاستراتيجي في مواجهة التهديدات الخارجية (إسرائيل) والتهديدات الداخلية (فلول النظام، داعش، قسد، وجماعات أخرى)

.

يُحاجج نيكولا ماثيسون (Nicola Mathieson) في دراسةٍ له بعنوان "تجربة المقاتلين الأجانب وأثرهم" أن القيمة الحقيقية للمقاتلين الأجانب لا تكمن فقط في عددهم، بل في مستويين رئيسيين: الخبرة القتالية السابقة، ودرجة اندماجهم في الهيكل التنظيمي للجماعة أو المؤسسة العسكرية، فكما هو الحال في تجارب جماعات مثل "حركة الشباب" في الصومال، أدى انضمام مقاتلين أجانب مخضرمين إلى نقل تكتيكات جديدة وتطوير القدرة على الابتكار الميداني، وهو ما منح الجماعة قوة نوعية لم تكن تمتلكها سابقاً. ينطبق هذا المنطق على الحالة السورية أيضاً، حيث يمكن لدمج المقاتلين الأجانب في الجيش السوري الجديد أن يسهم في تعزيز كفاءته القتالية ويمنحه القدرة على مواجهة تحديات معقدة، خاصة في ظرف استثنائي كالمواجهة مع إسرائيل.

 

المواجهة إسرائيل قادمة لا محال. هذه قناعة كاتب هذه الكلمات. التوسع المستمر في الجنوب السوري منذ سقوط الأسد، وإقامة قواعد عسكرية يشير إلى نيلة للبقاء طويل المدى، والضربات الإسرائيلية، والعقيدة الأمنية الإسرائيلية الجديدة بعد طوفان الأقصى والتي تقوم على منع تشك تغيرت بعد طوفان الأقصى ولن تسمح أبداً بوجود أي قوة تشكل تهديداً لها. في ضوء هذه التحديات المتنوعة، يصبح تعزيز القدرات الدفاعية للدولة ضرورة استراتيجية، بما في ذلك الاستفادة من جميع الخبرات العسكرية المتاحة. والمقاتلون الأجانب الذين شاركوا في العمليات العسكرية على مدى السنوات الماضية راكموا خبرات عملية في حرب العصابات والتكتيكات غير التقليدية، مما يمكن أن يسهم في رفع كفاءة الجيش السوري الجديد.

 

الاستيعاب بدل الإقصاء: إعادة بناء الدولة السورية تستوجب مقاربة استيعابية أكثر منها إقصائية. فالدفع بهؤلاء المقاتلين إلى الهامش أو إجبارهم على اهل لعودة لبلدانهم الأصلية، هو ظلم وإجحاف بحقهم مقابل ما قدموه من تضحيات في تحرير البلاد ودورهم في عملية ردع العدوان. والمقاربة المقصودة لا تقتصر  على "تدوير العنف"، بل تحويله من تهديد لسيادة الدولة إلى أداة لبسطها، بحيث يعاد توجيه الطاقات القتالية ضمن أطر قانونية وتنظيمية صارمة تخدم المصلحة الوطنية السورية، وتوحيد الجماعات المسلحة تحت قيادة مركزية تابعة للدولة، بما يسهم في ترسيخ الاستقرار الأمني ومنع تشكل قوى موازية للدولة كحالة حزب الله في لبنان.

 

ضبط الداخل ومنع الفوضى: في ضوء التصور السابق، يصبح الدمج المؤسسي للفصائل والمقاتلين الأجانب أداة عملية لترجمة هذه الرؤية على أرض الواقع؛ إذ يتيح للدولة ضبط الداخل، ومراقبة القوى المسلحة ضمن بنية موحدة، ويحدّ من خطر التشرذم أو الانفلات الأمني، ويقطع الطريق أمام ظاهرة الميليشيات الخارجة عن السيطرة.

صعوبة عودتهم لبلدانهم: لا يستطيع أغلب المقاتلين الأجانب العودة إلى بلدانهم الأصلية، إذ قد يتعرضون للاعتقال أو المحاكمات، ومن يستطيع منهم العودة مع ضمان عدم الاعتقال قد لا يستطيع لأن جنسيته سًحبت منه، وهناك بعض الدول ترفض استقبالهم.

 

 

 

 

خاتمة

تناولت هذه المادة قضية المقاتلين الأجانب في سوريا والجدل حول دمجهم في الجيش الوطني الجديد. وخلص التحليل إلى أن قرار الدمج ينطلق من أربعة دوافع رئيسية: الاستفادة من الخبرات القتالية، والاعتراف بدورهم التاريخي، وضبط القوى المسلحة مؤسسياً، والاعتبارات العملية المرتبطة بصعوبة إعادتهم لبلدانهم.

 

تبنت الحكومة السورية مقاربة توازن بين الاستفادة من هؤلاء المقاتلين وطمأنة المجتمع الدولي، من خلال ضمانات مؤسسية تتضمن لوائح انضباط صارمة ووضع قانوني محدد. غير أن نجاح هذه المقاربة مرهون بعوامل متعددة، كقدرة القيادة والمؤسسات على تطوير نموذج دمج يتجاوز المنطق الانفعالي، ويؤسس لعقيدة عسكرية وطنية تتسع للجميع، وتبني جيشاً يخدم الدولة والمجتمع معاً، دون أن يشكل في ذاته مصدراً لتهديد أو تفكك جديد.

 

سوريا اليوم بحاجة لجيش قوي لمواجهة التهديدات الخارجية والداخلية (قسد، وداعش، وفلول النظام، والجماعات الانفصالية في السويداء) وعدم الاستفادة من الخبرات العسكرية والعملياتية التي راكمها المقاتلون الأجانب طوال السنوات الماضية؛ يعني التخلي عن قوة عملياتية وعسكرية كبيرة. كل الدول تستفيد من أي خبرة أجنبية تقوي وتدعم جيشها وأمنها. ففي أوكرانيا وروسيا، فُتِح باب التجنيد للأجانب لأسباب عسكرية، وجرى دمجهم ضمن وحدات خاصة مع إخضاعهم لقوانين محلية صارمة. أما الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية، فقد استفادت تاريخياً من خبرات عسكرية أجنبية، مع مراعاة دقيقة لمخاطر الولاءات المزدوجة. تشير هذه التجارب إلى ضرورة الموازنة بين الاستفادة من القوة القتالية والضبط المؤسسي الفعال.


وبناء جيش قوي ليس خياراً تنظيمياً فقط، بل شرط للبقاء السياسي والجغرافي. وضم المقاتلين الأجانب ليس ترفاً أو مِنحة، وإنما ضرورة يفرضها الواقع السياسي، والأمني، والاستراتيجي وهذا مرهون بقدرة وزارة الدفاع على الضبط المؤسسي، وبناء عقيدة عسكرية وطنية تحتضن الجميع.


الآراء الواردة في المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة أراء وتوجهات معهد سياسات

0 تعليقات