الهدر المدرسي بالوسط القروي المغربي: هل نجحت برامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية في إرجاع ثقة المتعلم في المدرسة المغربية؟

بواسطة: أحمد السليماني


في قرية صغيرة بين جبال الأطلس، كان الطفل حمزة ذو العشر سنوات، يتابع دراسته بالسنة الرابعة ابتدائي. كان حمزة يستيقظ كل صباح قبل أن تشرق أشعة الشمس على صوت أمه وهي توقظه بهمسٍ وحنان "هيا يا بني، استيقظ لا تدع الطريق يهزمك".




صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تحاكي الواقع المعاش لحمزة

كان عليه أن يقطع أكثر من أربع كيلومترات مشيًا على قدميه، منتعلا حذاءه البالي، وحاملاً محفظته القديمة، لم يكن الطريق مجرد مسافة، بل امتحان يومي، وادٍ ضيق في الشتاء يتحول إلى نهر جارف، ومنحدرات موحلة تعلق فيها قدماه، وصخور حادة تجعل خطواته بطيئة. كان حمزة يحلم أن يصل إلى مستويات عليا من التعليم، ويحقق أحلامه. لكن مع كل يوم يمر عليه، كان الطريق يسلب منه جزءا من حلمه، خاصة في الليالي الباردة، حيث كان يصل إلى المدرسة مبتل الملابس مرتعش الجسد، لا يقوى على مسك القلم لكتابة الدرس. مع توالي التقلبات الجوية وغزارة الأمطار والثلوج انقطعت الطرق وعزلت الدواوير، فلم يستطع حمزة أن يذهب إلى مدرسته طوال الأسبوع، حيث كان يجلس عند عتبة البيت، ينظر إلى الجبال البعيدة التي تحجب خلفها مدرسته ويقول في نفسه: "ربما المدرسة ليست لي... ربما هذا الطريق يريدني أن أبقى هنا". وهكذا انسحب حمزة شيئًا فشيئًا من مقاعد الدراسة، وصار يرافق والده في أشغال الفلاحة. لكن في داخله، بقيت المدرسة حلمًا مؤجلاً... حلمًا عالقًا خلف الطريق الوعرة وضعف البنية التحتية.


صورة مأخوذة من صفحة فايسبوكية توثق لمعاناة أطفال الأطلس من أجل الوصول إلى المدرسة

فبينما كان يعيش حمزة هذه الظروف، هناك في المجال الحضري من توفرت له كل الظروف الملائمة من طرق وأرصفة معبدة وشوارع مضاءة تسهل وصوله إلى المدرسة سيرا على الأقدام أو على متن الحافلات المدرسية حيث كان يعود أقرانه إلى بيوتهم مرتاحين، تنتظرهم حواسيب ولوحات إلكترونية مزودة بشبكة الأنترنيت، تساعدهم في مراجعة دروسهم وإنجاز واجباتهم المنزلية.


إن هذا التباين في البنيات التحتية وعدم تكافؤ الفرص في الولوج إلى المدرسة العمومية، هو ما يعكس حجم الفوارق المجالية والاجتماعية بين الوسطين القروي والحضري ويكرس لمظاهر الهدر المدرسي خاصة بالوسط القروي.


هذه الظاهرة التي تطرق إليها المختصون التربويون وآرقت بال الفاعلين السياسيين، تناولتها منظمة اليونسكو[1] وعرفتها بأنها:" التسرب المبكر الذي يؤدي بالتلميذ إلى الانقطاع عن المدرسة قبل استكماله مرحلة التعليم الأساسي، كما تفيد أيضا التكرار المتوالي للتلميذ في مستوى تعليمي واحد، نتيجة لعدم تمكنه من الإلمام بالحد الأدنى من المكتسبات التي تخوله الانتقال إلى المستوى الموالي". كما يأخذ هذا المفهوم عدة أبعاد، فيمكن أن يتم اعتباره خروجاً من المدرسة نتيجة ظروف اجتماعية، أو نتيجة التعثر في مرحلة من المراحل الدراسية أو بفعل الفشل الدراسي المستمر الذي يعيق إتمام المسيرة التعليمية للمتعلمين. وقد خلد لها يوما عالميا في 30 من مارس من كل سنة نظرا لما تشكله من تحديات للمنظومات التعليمية بالعالم ككل.


ووفقًا لإحصائيات المندوبية السامية للتخطيط[2]، وهي مؤسّسة رسمية مغربية تُعنى بتوفير مادة إحصائية لصنّاع القرار والرأي والخبراء، فإنّ حوالي 431876 تلميذًا غادروا المدارس في عام 2022، مع نِسب مرتفعة في العالم القروي مقارنةً بالمدن، كما بلغ معدّل التسرب في المناطق القروية حوالي   %5,7 خلال العام الدراسي 2022-2023، مقارنةً بـ % 3,9 في المناطق الحضرية. ووفقًا للبيانات ذاتها، فإن عدد التلاميذ الذين غادروا فصول الدراسة في عام 2023 بلغ 334664 تلميذًا، منهم 183893 في الثانوي الإعدادي، و76,233 في الابتدائي، و74,538 في الثانوي التأهيلي. وتشير المصادر إلى أن حوالي 45% من المنقطعين يأتون من العالم القروي.

وحتى لا تتفاقم الظاهرة ويضيع حلم العديد من الأطفال أمثال حمزة بين الجبال والتضاريس الوعرة والظروف القاسية. عملت السلطات المغربية على وضع خارطة طريق على امتداد 4 سنوات من 2022 إلى 2026 تحت شعار " من أجل مدرسة عمومية ذات جودة للجميع" من بين ما تهدف إليه هو تقليص الهدر المدرسي بنسبة الثلث في أفق 2026.

ولبلوغ هذا المرمى وضعت الوزارة الوصية عدة اليات، أهمها التعبئة المجتمعية من خلال تعزيز الوعي لدى الأسر بأهمية التعليم والحد من ظاهرة الهدر المدرسي، إضافة إلى إشراك جمعيات المجتمع المدني في مواجهة الظاهرة من خلال إشراكها في تدبير و إنجاز حصص الدعم والمعالجة للمتعلمين المتعثرين، وذلك بتقديم عروض مشاريع للجمعيات العاملة في المجال التربوي. 


كما أكد رئيس الحكومة المغربية[3]، أن الدولة تسعى جاهدة لزيادة الاستفادة من خدمات التعليم من خلال تأهيل البنية التحتية للمؤسسات التربوية وتحسين مرافقها، خاصة الداخليات ومراكز الإيواء والمطاعم المدرسية والنقل المدرسي. وأشار إلى أن الحكومة قامت بإنجاز 2894 مشروعًا لبناء وتوسيع وتأهيل البنية التحتية في قطاع التعليم، مع معدل إنجاز يصل إلى % 96، بالإضافة إلى توسيع وصيانة المؤسسات التعليمية في المناطق الجبلية، كما تم اقتناء 962 حافلة للنقل المدرسي لتعزيز النقل المدرسي، وتجهيز 139 فضاءً تعليميًا.  إلى جانب الجهود التي تبذلها الوزارة الوصية [4]عبر توسيع نطاق برامج التدخل، كمحاربة  الأمية واحداث مدرسة الفرصة الثانية ،وكذا وضع مقاربة وقائية عبر إرساء خلايا اليقظة خاصة في العالم القروي ،مع اعتماد مجموعة من البرامج المتعلقة بالمواكبة التربوية والنفسية  لفائدة التلاميذ المتعثرين، وتفعيل برامج الدعم التربوي بالمؤسسات التعليمية، وتأهيل المدراس الداخلية  وإحداث  دور الطالبة، حيث أكدت الوزارة أنها تطمح إلى زيادة عدد المستفيدين ليصل إلى 700 ألف تلميذ بحلول عام 2026، مع توفير 10 آلاف حافلة للنقل المدرسي. هذا إلى جانب إحداث المدارس الجماعاتية ومدارس الريادة كأحد النماذج الإصلاحية لتجاوز هذا الخلل التربوي والاجتماعي، إلى جانب تفعيل برنامج الدعم الاجتماعي "تيسير"، الذي يهدف إلى توفير منح دراسية لفائدة التلاميذ والتلميذات المنتمين والمنتميات للأسر الفقيرة، إضافة إلى مشروع مليون محفظة الذي يهم توزيع كتب ودفاتر وأدوات مدرسية على التلاميذ خاصة في الأوساط القروية.



أرقام مقلقة وتكلفة باهظة يخلفها التسرب المدرسي.

أكد المجلس الوطني لحقوق الإنسان بالمغرب[5] في تقريره السنوي لسنة 2023 على تسجيل ارتفاع في معدلات الهدر المدرسي حيث انتقلت نسبة التلاميذ المتسربين من النظام التعليمي المغربي من 331558 متعلم ومتعلمة خلال الموسم الدراسي 2022-2023 إلى 334.664 متعلم ومتعلمة برسم الموسم الدراسي 2023-2024 ،وفي نفس الصدد أكد تقرير إسكوا ESCWA)[6] ( الصادر في دجنبر 2024 وجود فجوة تعليمية وفوارق بين المناطق الريفية والحضارية بنسبة %13  فيما يخص التحاق الأطفال بالمدارس الابتدائية، كما كشف تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة ( اليونسكو)[7] أن التكلفة السنوية من الناتج المحلي الإجمالي لترك المدرسة بالمغرب مبكرا يقدر ب% 12,40- و ب%6,25-  للإناث و% 7,31 - للذكور. كما أضاف نفس التقرير المعنون ب " ثمن التقاعس: كلفة الأطفال والشباب الذين لا يتعلمون المترتبة على القطاع الخاص والمالي وعلى المجتمع على الصعيد العالمي" أنه لا يزال هناك 250 مليون طفل وشاب في مختلف أنحاء العالم خارج المدرسة، و%70 من الأطفال الذين تبلغ أعمارهم 10 سنوات في البلدان المنخفضة الدخل والمتوسطة الدخل غير قادرين على فهم نص بسيط مكتوب. كما تقدر اليونسكو الكلفة التي سوف يتكبدها الاقتصاد العالمي نتيجة التخلف عن المدرسة وأوجه القصور في التعليم بحلول عام 2030 بأنها سوف تصل إلى 10000 مليار دولار أمريكي، في حين أن التكلفة السنوية لترك المدرسة مبكرا بالمملكة المغربية تقدر ب   196 - مليون دولار أمريكي سنويا. كما تطرّق تقرير "اليونسكو" إلى الخسائر المرتبطة بالشق الاجتماعي، والتي تصل إلى 188 مليون دولار سنويًا مقابل كل نقطة مئوية، ومرد ذلك العلاقة وانخفاض الإنتاجية القائمة بين الهدر المدرسي ومجموعة من الظواهر الناتجة عنه، من قبيل زيادة معدلات الجريمة،

عقبات وتحديات القضاء على الهدر المدرسي:

رغم كل هاته المحاولات والاستجابات لتطويق ظاهرة الهدر المدرسي، وبالرجوع إلى لغة الواقع فإن المغرب لازال يواجه تحدياً كبيراً يتمثل في ترك حوالي 280 ألف تلميذ وتلميذة للمؤسسات التعليمية سنوياً، منهم 160 ألف تلميذ في المستوى الإعدادي، حيث يشكل هذا الرقم مؤشراً مقلقاً على اتساع رقعة الهدر المدرسي. ويعد الانقطاع عن التعليم في المغرب من أهم الاختلالات الذي تعاني منها المنظومة التعليمية، حيث ترتفع هاته النسبة خصوصاً في الأوساط القروية، نظراً لبُعد المدارس وارتفاع نسب الفقر والهشاشة، إلى جانب عامل الاكتظاظ داخل الأقسام ونقص الموارد البشرية، ومرد هذا إلى غياب العدالة المجالية وتكريس الفوارق الجهوية فيما يخص البنية

إن تشجيع أبناء المناطق النائية على متابعة دراستهم، رهين بتوسيع شبكة المطاعم المدرسية والداخليات، وبناء دور للطالبات، مع الرفع من عدد الممنوحين والمستفيدين من الدعم الاجتماعي، إضافة إلى مواصلة تطوير مجال النقل المدرسي في أوساط المتعلمين القاطنين بعيدا عن المؤسسات التعليمية وتوسيع تغطية العالم القروي بشبكة الأنترنيت.

التحتية للمؤسسات التربوية والشبكة الطرقية، وكذا عدم جاذبية الفضاء التربوي، مما يزيد من نسبة النفور من المدرسة.

وهكذا يتضح أن ظاهرة الهدر المدرسي تتطلب حلولا ملموسة وبعد نظر يستحضر كل ما هو سيكولوجي واجتماعي واقتصادي للمتعلمين، مع توفر إرادة حقيقية لدى الفاعلين السياسيين لإصلاح منظومة التربية والتكوين. وهذا لا يتأتى إلا بتقليص الفوارق المجالية، وإيلاء العالم القروي ما يستحقه من اهتمام، وبنية تحتية تضمن الحد الأدنى من تكافؤ الفرص كتوسيع شبكات الطرق وتوفير النقل والإطعام المدرسي بالعالم القروي، مع التأكيد على ضرورة توفير أنماط جديدة من التعلم (التعلم عن بعد مثلا) تماشيا مع ما يعرفه المغرب من طفرة الرقمية. هذا إلى جانب توفير الدعم التربوي والنفسي للمتعلمين داخل المؤسسات التربوية، وتوعية الأسر بأهمية التعليم في حياة أبنائهم.


إن إعادة ثقة المتعلم في المدرسة المغربية و تحسين جودة الخدمات الداعمة للتمدرس، وتشجيع أبناء المناطق النائية على متابعة دراستهم، رهين بتوسيع شبكة المطاعم المدرسية والداخليات، وبناء دور للطالبات، مع الرفع من عدد الممنوحين والمستفيدين من الدعم الاجتماعي، إضافة إلى مواصلة تطوير شبكات الطرق القروية ودعم مجال النقل المدرسي في أوساط المتعلمين القاطنين بعيدا عن المؤسسات التعليمية وتوسيع تغطية العالم القروي بشبكة الأنترنيت.

0 تعليقات