التعليم في سوريا: جيل شباب المستقبل تحت وطأة التحديات

بواسطة: عبد الملك الدغيم| زميل برنامج زمالة سياسات سوريا



لعلّ سوريا المنهكة بعد سقوط نظام الأسد تواجه تحديات عميقة في مختلف القطاعات دون استثناء، لكن حين يتعلّق الأمر بإعادة الإعمار في بلد مزّقته الحرب لأكثر من أربعة عشر عاماً، فإن حجر الأساس لبناء دولة قوية وحديثة يبدأ من التعليم
.

 

فالتعليم هو روح المجتمع التي تنتقل من جيل إلى آخر، وهو السبيل للعبور من الظلام إلى النور، كما قال الفيلسوف الأمريكي آلان بلوم. وهو كذلك "جواز السفر إلى المستقبل"، وفق تعبير الناشط الأمريكي مالكوم إكس.

 

ورغم أن سوريا لم تكن تُصنَّف ضمن الدول المتقدمة تعليمياً حتى قبل اندلاع الثورة عام 2011، إلا أن بعض المؤشرات كانت تشير إلى تحسن تدريجي في بنية التعليم. فقد نقلت شبكة الجزيرة عن منظمات متخصصة أن عدد المدارس في سوريا عام 2010 بلغ نحو 22,200 مدرسة، وهو رقم اقترب حينها من المعدلات العالمية النموذجية من حيث الكثافة الصفّية.

 

غير أن الحملة الأمنية الوحشية التي شنّها النظام لقمع الثورة سرعان ما دفعت بقطاع التعليم من واقع هشّ إلى دمار شامل، فانهارت البنية التحتية، وتفككت الكوادر، وخرجت البلاد تماماً من التصنيفات الدولية. ففي تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي (دافوس 2021)، لم تَرد سوريا ضمن التصنيف العالمي لجودة التعليم، وهو من بين أهم المؤشرات الدولية التي تُستخدم لتقييم المنظومات التعليمية حول العالم.

واليوم، تسعى الحكومة السورية الجديدة إلى إصلاح ما لحق بقطاع التعليم من دمار، لكنها تواجه تحديات مركّبة قد تعجز عن معالجتها حتى الدول المتقدمة في ظروف طبيعية.

 

في هذا التقرير، نسلّط الضوء على أبرز هذه التحديات البنيوية والمؤسسية، والتي تقف في وجه النهوض بقطاع التعليم السوري:


أولاً: البنية التحتيّة المدمرة:

أفادت وزارة التربية والتعليم في حكومة تصريف الأعمال، التي استلمت الحكم في البلاد بعد سقوط النظام البائد، في إحصائية نشرتها بتاريخ 5 مارس/آذار من العام الجاري، بأنَّ عدد المدارس المدمّرة في سوريا قد بلغَ 8 آلاف مدرسة، منها ألف مدرسة تحتاج إلى هدمٍ وإعادة بناء.

 

كما قدَّر تقرير "اليونيسيف" في عام 2019، أنّ نسبة المدارس المدمّرة بشكلٍ كليٍّ أو جزئيٍّ في سوريا، وصلت إلى 40% من المدارس في عموم البلاد، مع تفاوت تلك النسبة بين مدنٍ وأخرى.

ومن جانبها بيّنت الشبكة السوريّة لحقوق الإنسان مسؤوليّة قوات النظام، مع المليشيات الإيرانية والقوات الروسية، عمّا لا يقّل عن 86% من هذا الضرر الحاصل للمدارس في سوريا.

 

فيما كشفت دراسة أجرتها "وحدة الاستقرار والدعم في سوريا" رصدت وضع المدارس واحتياجات قطاع التعليم في محافظة إدلب وريف حلب بعد زلزال عام 2023، أنَّ أكثر من 1009 مدارس في المنطقة تعرَّضت لأضرارٍ متفاوتة، بينها 15 مدرسة تحتاج هدماً وإعادة بناء بالكامل، في حين تحتاج بقية المدارس إلى ترميم.

 

وذَكرت الدراسة أنّه من بين 1270 مخيماً للاجئين شمال غربي سوريا، هناك 189 مخيماً فقط يحتوي على مدارس.

 

وكان لهذه الأرقام المرعبة آثارها من اكتظاظ المدارس في المدن والبلدات الواقعة في مناطقٍ لم تطولها ويلات الحرب، وانقطاع عددٍ كبيرٍ من الطلاب عن دراستهم، الأمر الذي أدى لانخفاض جودة التعليم في سوريا بشكلٍ عام.


ثانياً: التقسيم المنهجي:

لطالما صالت وجالت تهديدات التقسيم العسكري والسياسي في سوريا طيلة سنوات الحرب، إلا أنّ هذا التهديد زالَ قسمٌ كبيرٌ منه مع تحرير البلاد من نظام الأسد. وتعمل السلطات السورية الحالية على إزالة ما تبقّى من هذا التهديد عبر الوصول إلى اتفاقٍ مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) التي تسيطر على مناطق شمال شرقي البلاد.

 

ولكن هناك حقيقةٌ مؤلمةٌ تغيب عن أنظار الكثيرين، وهي أنَّ سوريا تعرّضَت خلال الحرب لتقسيمٍ أخطر ضربَ قطّاع التعليم، فحتّى لحظة تحرير العاصمة دمشق في 8 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، كان هناك 4 مناهج تعليمية تُدَرّس في سوريا، أحدها في مناطق نظام الأسد البائد، والثاني لحكومة الإنقاذ في مناطقها في إدلب، والثالث في مناطق سيطرة "قسد"، أمّا الأخير ففي مناطق الحكومة المؤقتّة في شمال غرب حلب.

 

وتواجه الحكومة الحاليّة تحديّاً كبيراً بسبب التأثير الذي تركه هذا التنوع في المناهج الدراسيّة والشهادات التعليميّة الذي استمرّ لسنواتٍ عدّة بين مختلف المناطق السورية.

 

فعلى سبيل المثال؛ أثارَ قرارٌ أصدرته وزارة التربية في حكومة تصريف الأعمال، التي استلمت زمام الأمور لمدة ثلاثة أشهر فقط بعد سقوط النظام، جدلاً واسعاً بين مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، بعد إجرائها تعديلاتٍ طفيفةٍ في بعض مواد المنهاج السابق لحكومة النظام البائد، ومن أهمّها إلغاء مادة "التربيّة القوميّة"، وتغييراتٍ في مادتي التاريخ والتربية الإسلامية، لتنقسم آراء السوريين بين من رأى توقيت إجراءَ التعديلات غير مناسبٍ في منتصف العام الدراسي، وآخرين ممّن رحّبوا بالقرار.

 

وفي حين أصبحت وزارة التربية والتعليم في دمشق مسؤولةً عن أغلب مدارس البلاد، لا تزال مناطق شمال شرقي سوريا تحت نفوذ "قسد"، التي أفادت مصادر عدّة، منها موقع "الميادين" بأنّها تفرض اللغة الكرديّة في مناهجها الدراسيّة، ضمن سياسة "التكريد" التي تعمل عليها جاهدةً منذ سنوات، لترسيخ مبادئها وأهدافها الانفصاليّة، مستهدفةً هويّة منطقة الجزيرة السوريّة العربيّة.

وذكر "الميادين نت" عن معلمين من مناطق نفوذ "قسد" أنّ مناهجها تضمنت أفكاراً حول "الدولة الكردية" التي تمثل حلماً لقسمٍ من أكراد المنطقة، وتشجيعاً على القتال لإقامتها، بالإضافة لأفكار وأقوال للزعيم الكردي المسجون في تركيا "عبد الله أوجلان".

 

كما افتقد المنهاج المتّبع في مناطق "قسد"، وفقاً للمعلم في مجمع الفرات التربوي "رجب الغدير"، والذي نشرت صفحة "الشعيطات الرسمية" على فيسبوك تسجيلاً مصوراً له، إلى "الأهداف التربوية التي تُستَقى منها الأهداف الوجدانيّة والتعليميّة"، على حدّ تعبيره.


ثالثاً: نقص الكوادر والكفاءات:

أدَّت هجرة أكثر من 14 مليون سوري داخل وخارج البلاد منذ عام 2011 وحتّى زمن سقوط النظام البائد، حسب المفوضيّة السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR)، إلى نقصٍ حادٍّ في عدد المعلمين المؤهّلين والقادرين على تأدية عملهم، ما ضربَ قطّاع التعليم ضربةً موجعة.

 

فقد واجهت مناطق سيطرة نظام الأسد قبل سقوطه، استنزافاً متصاعداً في أعداد المعلمين بالمدارس الحكومية، فمنهم من هاجر خارج البلاد طالباً فرصَ عملٍ وحياة أفضل، ومنهم من استقال من وظيفته ليتوجّه إلى التعليم الخاص، بسبب انخفاض راتب المدرّس الحكومي ليصلَ ما قبل سقوط الأسد بأشهر إلى مبلغٍ لا يتجاوز 25 دولاراً.

 

ولم يكن هذا حال المناطق التي طالها قصف نظام الأسد فقط، بل حتّى في المناطق التي كانت توصف بالآمنة، إذ نقلت "صحيفة الوطن"، المقربة من النظام البائد، في عام 2024 عن مدير تربية محافظة السويداء تجاوز عدد شواغر المعلمين في مدارس المحافظة 823 شاغراً، مضيفاً "اقتراب عدد الطلاب في الصف الواحد من 60 طالباً، ما يعتبر رقماً عالياً يتسبّبُ بضغطٍ كبير على المعلمين والمدرسين الذين لم تصح لهم بعد فرصة الهجرة". 

 

قلّة عدد المعلمين ليست المشكلة الوحيدة التي تهدد كوادر التعليم، بل هناك مشكلةٌ تتمثلُ بانخفاض مستوى المعلمين الذين لا يزالون على رأس عملهم، وخصوصاً في مناطق سيطرة النظام البائد سابقاً، إذ بدأ نظام الأسد بعد عام 2015 بالاعتماد بشكلٍ كبيرٍ على معلّمين غير مؤهلين، ليعوض من فقدتهم البلاد بسبب موجات الهجرة والاستقالة وحملات الاعتقال والتجنيد.

 

رابعاً: التسرب المدرسي وعمالة الأطفال:

تشكّل قضية التسرب المدرسي وعمالة الأطفال أحد أكبر التحديات التي خلفتها الحرب التي استمرت 14 عاماً.

 

وتختلف أسباب تسرب هذا العدد المرعب من التعليم، فمنها الظروف الاقتصادية التي اضطرت قسماً كبيراً من الطلاب لترك الدراسة ودخول سوق العمل، وتدمير أكثر من 8 آلاف مدرسة في البلاد خلال سنوات الحرب، وأيضاً النزوح الداخلي الذي جعل ملايين العائلات مشردةً في شتّى أنحاء البلاد وخارجها.

 

وكشفت منظّمة "منسقو استجابة سوريا" أنَّ عدد الأطفال المتسرّبين من التعليم في مناطق سيطرة المعارضة (حكومتا الإنقاذ والمؤقتة)، قبل سقوط نظام الأسد، تجاوز 318 ألف طفل، من بينهم 78 ألفا داخل المخيمات.

 

وأوضحت المنظمة في تقريرها أنّ عدد الأطفال المتسربين من التعليم في عموم سوريا يبلغ نحو 2.5 مليون، إذ لم يكن الحال في مناطق سيطرة النظام بأفضل. وقال دارم طباع، وزير التربية في حكومة نظام الأسد، إنَّ نسبة التسرب المدرسي ارتفعت إلى 22% في مرحلة التعليم الإلزامي في عام 2022 فقط.

 

ومن جانبها أكَّدَت تقاريرٌ حديثةٌ لمنظّمة الأمم المتّحدة للطفولة (اليونيسف) وصول نسبة الأطفال التاركين للدراسة في سوريا بعد الحرب إلى 43.6%  من إجمالي الأطفال في سنّ الدراسة.

 

خامساً: اندماج طلاب الخارج والداخل:

وثّقت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عودة أكثر من 400 ألف لاجئ سوري من خارج البلاد، وذلك خلال أقل من ستة أشهر على سقوط نظام الأسد. وقد تنوّعت وجهات العودة بين تركيا ولبنان والأردن ودول أوروبية عدة، ما يُنذر بضغط هائل على البنية التحتية للقطاع التعليمي، الذي يعاني أصلاً من تدهور حاد وموارد شحيحة.

 

وتطرح هذه العودة الواسعة إشكالية إضافية تتعلق بقدرة النظام التعليمي على استيعاب الأطفال العائدين، لا سيّما أن شريحة واسعة منهم تلقّت تعليمها بلغات أجنبية ولسنوات طويلة، من دون دراسة منهجية للغة العربية. هذه الفجوة المعرفية ستشكّل عائقاً أمام دمج هؤلاء الطلاب في المدارس المحلية، وقد تتسبب باضطرابات تعليمية وتربوية تمتد لأعوام.

 

وفي ضوء ما سبق، يصبح من غير الواقعي توقّع تعافي سريع للقطاع التعليمي في سوريا، فالأزمة لم تكن بنيوية فحسب، بل امتدت إلى المستويات المنهجية، والبشرية، والنفسية. كما أن أي خطة نهوض بالقطاع ستظل مرتبطة عضوياً بالأداء الاقتصادي العام، الذي يُواجه بدوره تحديات جذرية في مرحلة ما بعد النزاع.

 

إضافة إلى ذلك، فإن تداعيات هذه الأزمة التعليمية لا تقتصر على الحاضر، بل ستمتد لتؤثر على الأجيال القادمة، وعلى المسار الطويل للتنمية الاجتماعية والاقتصادية في البلاد. ففقدان جيل كامل للتعليم الكفوء يعني خسارة في رأس المال البشري، وركوداً محتملاً في إمكانات التحول الوطني.

 

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل حقيقة راسخة في الوعي السوري: إصرار الأهالي، حتى في أقسى ظروف الحرب والنزوح، على توفير التعليم لأطفالهم. من مدارس المخيمات إلى الصفوف المؤقتة في الكهوف والأقبية، أثبت السوريون تمسّكهم بالتعليم كقيمة وهوية وحقّ لا يُفرَّط به.

 

وقد بدأت الحكومة السورية الجديدة باتخاذ خطوات عملية لإعادة بناء هذا القطاع، عبر برامج لترميم المدارس، ومبادرات لرفع رواتب المعلمين من أجل الحد من تسرب الكوادر، بالتعاون مع بعض الشركاء المحليين والدوليين. ومع أن هذه الخطوات ما تزال محدودة وغير كافية لتغيير الصورة العامة، فإنها قد تشكّل نواة أولى لإعادة بناء المنظومة التعليمية إذا ما أُتبعت بإصلاحات مؤسسية شاملة وإرادة سياسية حقيقية.



الآراء الواردة في المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة أراء وتوجهات معهد سياسات

0 تعليقات