إسكان النازحين في مدينة الدويم: قصة تكاتف مدينة ضد الأزمات
- بواسطة محرر سياسات
- 2025-09-30
بواسطة: أسامة إسماعيل محمد
اندلعت الحرب في السودان وفجّرت أزمات إنسانية مؤسفة، من أبرزها أزمة النزوح التي وصفتها المنظمات الأممية بأنها "الأسوأ في العالم". فقد بلغ عدد النازحين بسبب الحرب –بحسب الوكالات الأممية– 11.3 مليون شخص، بينهم 8.6 مليون نازح داخلي و3.9 مليون عبروا حدود البلاد هربًا من ويلات الحرب. وتشير الإحصاءات إلى أن 31% من هؤلاء النازحين هم من ولاية الخرطوم، وهي الولاية التي اندلعت فيها الحرب وتعد الأكثر كثافة سكانية بعدد تجاوز 10 ملايين نسمة قبل اندلاع الصراع.
في مدينة الدويم –التي تبعد أقل من 200 كيلومتر عن العاصمة الخرطوم– وصل ما يقارب خمسين ألف نازح، وفق إحصاءات حكومية في مارس 2025 حصلنا عليها من مصدر محلي.
ويمكن تقسيم هؤلاء النازحين إلى ثلاث فئات:
1. من لجأوا إلى أقاربهم.
2. من استأجروا عقارات في المدينة –وقد تضاعفت أسعار الإيجارات بأكثر من 100% نتيجة لآلية العرض والطلب.
3. من افترشوا الشوارع والميادين العامة.
كانت الفئة الثالثة هي الأكثر ضعفًا، ما دفع مجتمع المدينة إلى التحرك عبر مبادرات مجتمعية هدفت إلى إيواء النازحين في منازل المواطنين. لكن نظرًا لكثرة الأعداد، لم تختفِ ظاهرة افتراش الشوارع، فتدخلت اللجنة الأمنية في الحكومة المحلية لحل المشكلة عبر فتح مؤسسات حكومية مثل المدارس والداخليات. وبحسب المصدر الحكومي، بلغ عدد هذه المراكز 75 مركزًا. كما أُنشئت مبادرات أهلية لاستقبال النازحين وتوزيعهم على هذه المراكز.
يقول محمد الأمين –أحد الناشطين المجتمعيين في المدينة– إنهم اتبعوا إجراءات لتنظيم إسكان النازحين تهدف إلى حصر الأعداد في كل مركز وضمان عدم الاكتظاظ، بما يمنع حدوث نقص في إمدادات الغذاء. ويُذكر أن دعم إطعام النازحين جاء بجهود مشتركة من المجتمع المحلي والحكومة والمنظمات الدولية.
لكن توفير أماكن الإيواء لم يكن كافيًا، إذ كان لا بد من تهيئتها لتكون صالحة للسكن الكريم. وفي لقاء مع د. الطيب عز الدين، مدير المكتب الفرعي لمنظمة "بلان سودان" في الدويم –وهي منظمة دولية تدعم الفئات الأكثر ضعفًا كالنساء والأطفال– أوضح أن المنظمة أنشأت حمامات في بعض المراكز، وصانت مرافق أخرى، كما زوّدت المراكز بخزانات مياه صالحة للشرب، ووزعت أدوات نظافة لتعزيز قدرة النازحين على الحفاظ على بيئة صحية في مساكنهم.
وفي إطار دمج النازحين مع سكان المدينة، عملت المنظمة على إشراك جيران المراكز في الإشراف عليها لتعزيز الروابط الاجتماعية. وأشار د. الطيب إلى أن المراكز لم تشهد الاضطرابات الاجتماعية والأمنية التي غالبًا ما تحدث في معسكرات النزوح المعزولة، إذ ساعد موقعها داخل الأحياء السكنية على خلق عقد اجتماعي قائم على الجيرة والاحترام المتبادل.
هذا ما يؤكده أيضًا الناشط محمد الأمين، الذي قال إن المجتمع المحلي حرص على أن يشعر النازحون بأنهم بين أهلهم وليسوا غرباء، وهو ما انعكس في اندماج اجتماعي قوي، وصل في بعض الحالات إلى نشوء علاقات مصاهرة وزواج بين النازحين وسكان المدينة.
تجربة الدويم تفتح الباب للتأمل في كيفية استقبال شخص أجبرته ظروف الحرب على النزوح، وكيف يمكن للمجتمع أن يجعله يشعر بالأمان والانتماء. لقد أظهرت التجربة أن المجتمعات قادرة على التعايش والتعاضد في ظل الأزمات، وأن هذه الأزمات قد تخلق وعيًا جماعيًا بضرورة توحيد الجهود، بما يساهم في بناء مجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على مواجهة التحديات.
ومع عودة الأوضاع نسبيًا إلى الاستقرار، برزت الحاجة الماسة إلى إعادة فتح المدارس، خاصة أن أكثر من 17 مليون طفل ظلوا خارج العملية التعليمية منذ اندلاع الحرب. وقد طالب الأهالي باستئناف الدراسة، لكن استخدام المدارس كمراكز نزوح عطّل ذلك، وأثار غضب بعض المواطنين الذين دعوا إلى إخلاء المدارس بالقوة كما حدث في مناطق أخرى. غير أن الأمر لم يتفاقم في الدويم، إذ ساهمت حملات العودة الطوعية للنازحين إلى مناطقهم بعد انحسار الحرب في تهيئة الظروف لإعادة فتح المدارس وعودة العملية التعليمية بعد أكثر من عامين من التوقف.
اقرأ المزيد
مصر.. قانــــون المسؤوليـــــة الطبيــــــة
- 2025-08-03
النشرة البريدية
احصل على آخر اخبارنا وتحديثاتنا
0 تعليقات