سياسات التوزيع الثقافي في المغرب: كيف تعيد الثقافة إنتاج الفوارق المجالية بين المركز والهامش
- بواسطة محرر سياسات
- 2025-10-06
بواسطة: يونس أوعلي، "زمالة سياسات المغرب"
حين نتحدث عن الثقافة في المغرب، كثيرًا ما يتبادر إلى الذهن مشهد المهرجانات الكبرى في الرباط، أو العروض المسرحية في الدار البيضاء، أو المعرض الدولي للكتاب الذي لا يغادر صداه عاصمة المغرب. لكن خارج هذه الرقعة المحدودة، هناك مغرب آخر لا تصله الثقافة إلا عبر شاشة التلفزيون، أو في مناسبات موسمية: مغرب القرى والمداشر والأحياء الشعبية، حيث تُعامل الثقافة كترف لا كحق دستوري. في هذا المغرب الآخر، يُطرح سؤال كبير: هل تصل الثقافة فعلًا إلى الهامش؟ وإذا وصلت، فبأي معنى؟ وبأي مضمون؟
فرغم الشعارات المتكررة حول الجهوية الموسعة والعدالة المجالية، إلا أن الخريطة الثقافية المغربية لا تزال متمركزة بشكل واضح، فالبنية التحتية الثقافية – حين توجد – تتمركز غالبًا في المدن الكبرى، وتُدار غالبًا من المركز، ويُوزع الدعم تبعًا للولاءات السياسية أو الشبكات الإدارية لا لحاجة الجهة أو للمردودية الاجتماعية.
الثقافة في الدستور المغربي
يمكن اعتبار دستور 2011 لحظة تحول فارقة في مسار الاعتراف بالثقافة كمكون أساسي من مكونات الدولة المغربية، وذلك بعد أن ظلت مقتضيات الدساتير السابقة شحيحة في هذا الباب. فبينما لم تُذكر كلمة "ثقافة" سوى مرتين في نص دستور 1996، تكررت في دستور 2011 أكثر من عشرين مرة، ما يعكس إرادة سياسية جديدة في التعامل مع الشأن الثقافي كحقٍّ أساسي. هذا التحول يعكس وعيًا بأن الثقافة تعد رافعة للعدالة الاجتماعية ولتحقيق التنمية البشرية المستدامة.
وقد أولى دستور 2011 أهمية خاصة لحرية الإبداع والحق في الثقافة بوصفهما من الحقوق الأساسية للمغاربة عامة. ففي الفصل 25 تم ضمان حرية الفكر والإبداع والنشر، بينما نص الفصل 33 على ضرورة توسيع مشاركة الشباب في الحياة الثقافية والفنية والعلمية. كما دعا الفصل 26 إلى تشجيع الدولة على دعم الإبداع الثقافي، في مختلف مجالاته، باعتباره أداة لتحقيق التنمية وتقوية الانتماء الوطني.
وعلى الرغم من الاعتراف الدستوري بأن الثقافة حق للمغاربة عامة دون تمييز، إلا أن الاستثمارات والبرامج الثقافية لا تزال تتمركز في جهات دون أخرى، مما يعمّق الفجوة بين المركز المتمثل أساسًا في المدن الكبرى، و"الهامش" الذي يشمل مناطق الأطلس والجنوب الشرقي والريف وغيرها.
ومن الملاحظ أن معظم الفعاليات الثقافية الكبرى، كالمهرجانات الدولية والمعارض الفنية، تتركز في المدن الكبرى التي تحظى بدعم مالي ومؤسساتي أوفر، وتستفيد من البنية التحتية المتاحة، بينما تظل مناطق واسعة من المغرب، خصوصًا القرى والمناطق الجبلية، خارج هذا الإشعاع الثقافي، وتعاني من ضعف شديد في الدعم الثقافي العمومي، ما يدفع إلى الاعتماد الكلي على المجتمع المدني، في غياب رؤية جهوية للثقافة كرافعة للتنمية.
مما يؤدي في الأخير إلى تهميش أشكال تعبيرية غنية وذات جذور عميقة، مثل الشعر الشفهي، الحكاية الشعبية ومختلف فنون الفرجة المرتبطة بالمجال القروي.
البنية التحتية الثقافية بين المركز والهامش
الكثير من دور الثقافة في المغرب تعاني من غياب التأطير أو من الإغلاق، وبعضها يُستعمل لأغراض لا علاقة لها بالثقافة.
وحسب تصريح لوزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، فإن عدد دور الشباب في المغرب يبلغ 762، ما يعني، إذا أخذنا بعين الاعتبار عدد الجماعات الترابية في المغرب البالغ عددها 1503جماعة ترابية، أن 417 جماعة ترابية تفتقر لبنايةٍ من شأنها استقبال الشباب وتقديم خدمات ذات طابع ثقافي وتربوي وترفيهي وفني... والأسوأ من ذلك أن 146 من الدور المتوفرة كانت مغلقة منذ عام 2021، وذلك بسبب قلة التجهيزات أو بسبب نقص الموارد البشرية، قبل أن يتقلص هذا العدد إلى 75 في عام 2024.
أما فيما يخص المكتبات العمومية، فبينما توصي اليونسكو بضرورة توفير مكتبة عمومية لكل تجمع عمراني يضم أكثر من 5 آلاف شخص، لا يتوفر المغرب سوى على 0.46 مكتبة فقط لكل 50 ألف مغربي إلى حدود سنة 2021. فكيف إذا يمكن الحديث عن تنمية ثقافية مستدامة، في ظل هذا الخلل البنيوي الذي يجعل الثقافة حكرًا على فئات محظوظة جغرافيًا واجتماعيًا؟
كما أن أحد أكبر التحديات التي تواجه الثقافة في المغرب عامة، هي اختزالها في بُعدها "الفرجوي المناسباتي"، وتكريس التصور الذي يجعل من العرض الثقافي سلعة تُقدم في المهرجانات أو المسارح، بدل أن تكون بنية مستمرة من التكوين والتشجيع والإنتاج المحلي. وهنا يمكن الحديث عن المهرجانات التي تنظمها الجماعات الترابية سنويا حيث نجد مهرجانات غنائيا في جل الجماعات الترابية، لكننا لا نجد معرضا للكتاب أو ندوة أو مائدة مستديرة... ولو مرة واحدة في كل ولاية انتخابية!
وفي هذا السياق يرى الباحث في قضايا الثقافة والتنمية، عادل حلواش، أن "ما يقدم على أنه مشهد ثقافي لا يتجاوز بعض المهرجانات السنوية أو المبادرات الفردية." مضيفا أن "لا وجود لاستراتيجية ثقافية وطنية متماسكة، ولا لرؤية واضحة تجعل الثقافة ركيزة من ركائز التنمية."
وفي ظل هذا الغياب، يؤكد حلواش أن الثقافة تتحول إلى "مجرد زخرفة رمزية، تستدعى عند الحاجة فقط، بينما يغيب الدعم الحقيقي لبنياتها ولفاعليها ولصناعاتها."
من المدرسة يبدأ التهمش
بعيدا عن دُور الشباب التي من شأنها أن تكون متنفّسا، فإنه في القرى والحواضر الصغرى، تظل المكتبة - إن وُجدت - مجرد رف متهالك في المدرسة، أو فكرة غريبة لا تجد من يمولها أو يرعاها.
وعلى الرغم من كون المكتبات المدرسية حاضرة في المذكرات الوزارية، إلا أنها غائبة في المؤسسات التعليمية.
وتنص المذكرة الوزارية رقم 156، الصادرة في نوفمبر 2011، على ضرورة تفعيل أدوار المكتبات المدرسية ونظام الإعارة، معتبرة أنها تمثل حجر الزاوية في دعم المسار الدراسي للتلاميذ، ومشددة على أهمية تجهيز هذه المكتبات، وتزويدها بالوسائل الحديثة والكتب، وتكوين الأطر المشرفة عليها.
هذه المذكرة لم تكن الأولى من نوعها، فقد سبقتها أخرى في أكتوبر 1991، حيث شددت هي أيضا على دور الخزانات المدرسية، واقترحت حينها تأسيس مجلس خزانةٍ، كما اقترحت الانفتاح على جمعيات الآباء لمدّها بالدعم، سواء المادي أو التنظيمي.
لكن واقع المؤسسات التعليمية اليوم يروي قصة مختلفة، حيث إن العديد من الأساتذة العاملين في مناطق متفرقة من البلاد يشيرون إلى الغياب شبه التام للمكتبات، سواء من حيث الفضاء أو الموارد أو حتى النية الفعلية في إحداثها.
فانطلاقا من المؤسسات التعليمية التي عاينّاها، ثم من شهاداتٍ لأساتذةٍ تحدثوا معنا عن تجاربهم، فإن المؤسسات التي اشتغل فيها معظمهم لا تحتوي على مكتبات بأي شكل من الأشكال، وقد حاول بعضهم إنشاءها بموارد ذاتية، أو عن طريق جمع تبرعات من التلاميذ، لكن غياب التفاعل والدعم، وضعف التجهيزات داخل المؤسسة، وانعدام فضاء يمكن تحويله إلى مكتبة، وغياب ميزانيات مخصصة... كلها عوامل حالت دون تحقيق الهدف، بينما نجح بعضهم وبمجهودات فردية أو من خلال شَراكات مع جمعيات ثقافية.
عموما يُلاحظ أن المؤسسات التي تضم مكتبات فعلية تبقى استثناء، وغالبًا ما تتركز في المدن أو في مؤسسات "نموذجية"، وذلك في وقت أشار فيه تقريرٌ للمجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بعنوان "النهوض بالقراءة ضرورة ملحة"، إلى أن نسبة التلاميذ المغاربة الذين يتوفرون على بعض مصادر القراءة في بيوتهم لا يتجاوز 38 في المائة فقط، مقابل 62 في المائة لا يتوفرون على هذه المصادر القرائية.
الخطير في الموضوع أن غياب المكتبات المدرسية يفرغ شعارات مثل "تكافؤ الفرص" من مضمونها، فعند تنظيم مسابقات وطنية في القراءة، يُحرم مئات التلاميذ في القرى والمناطق النائية من المشاركة، ببساطة لأنهم لا يملكون الحد الأدنى من الوسائل الضرورية، فلا كتب، ولا مكتبة، ولا حتى مكان هادئ للقراءة.
وتزداد الصورة قتامة حين ننتقل إلى المقررات الدراسية، حيث يُفترض أن تكون المدرسة هي القناة الأولى لترسيخ الفعل الثقافي وتوسيع أفق التلقي، لكن – رغم ما يُبذل من مجهود – لا تزال بعيدة عن الثقافة المعاصرة وعن الفنون التشكيلية وعن المسرح وعن الأدب، بما في ذلك الأدب المغربي نفسه. كما أن الغياب شبه التام للأنشطة الثقافية داخل المدارس، وتفشي منطق الحفظ والتلقين، يجعل المدرسة أداةً لمحو الحس الجمالي، والنتيجة أن أجيالًا كاملة تتخرج من المدرسة دون أن تدخل مسرحًا أو تقرأ رواية أو تحضر عرضًا فنيًا.
لتتحول الثقافة بذلك إلى أداة لتعميق الفوارق الاجتماعية والمجالية. فالطالب في الرباط ليس كالطالب في بوعرفة، والقارئ في طنجة ليس كالقارئ في آسا... ليس فقط لأن العرض الثقافي مختلف، وإنما لأن "حق التثقيف" نفسه بات مشروطًا بالموقع الجغرافي والوضع الاقتصادي، مما يُفقد الثقافة دورها، ويجعلها أداة لإعادة إنتاج الفوارق بدل ردمها.
أمام هذا الواقع إذا، لا يمكن الحديث عن عدالة ثقافية دون إعادة رسم خريطة التوزيع الثقافي بشكل يضع الجهة والقرية والهامش في صلب الفعل لا في هامشه. فلا معنى للحديث عن "سياسة ثقافية" في الوقت الذي لا تُصنّع فيه المعرفة، ولا يتم تعميم وسائل الوصول إليها. ولا معنى للخطاب عن "التنوع الثقافي" حين يكون هذا التنوع غائبًا عن السياسات العمومية، ولا يجد صداه في بنيات الوزارة، ولا في الإعلام، ولا في المدارس.
اقرأ المزيد
النشرة البريدية
احصل على آخر اخبارنا وتحديثاتنا
0 تعليقات